سيرة الصديق -أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه-، وحتى ندرك لماذا صار الصديق صديقًا؛ أنه استطاع أن ينفذ بعقله إلى هذه الحقيقة الهائلة الكبيرة؛ أن الرب -تبارك وتعالى- قد بسط رحمته على العبد الفقير بتواصله -تبارك وتعالى- معه بأن يكلمه ويُنزل إليه وحيًا ويصطفي إليه رسولًا يبلّغه وحيه وكتابه ..
تبتدئ هذه الحكاية في طبيعة الحال مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، النبي - صلى الله عليه وسلم - يتحدَّث عن نفسه بعد حادثة الإسراء والمعراج يقول:"لَمَّا كَانَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي وَأَصْبَحْتُ بِمَكَّةَ، فَفَظَعْتُ بِأَمْرِي، وَعَرَفْتُ أَنَّ النَّاسَ مُكَذِّبِيّ"، النبي - صلى الله عليه وسلم - مشاعره الأوليَّة التي يعبّر عنها ابن عباس صريحًا في الرواية:"فأصبح النبي - صلى الله عليه وسلم - مهمومًا حزينًا"، دائمًا لما أقف مع هذا الحديث عند هذه اللفظة كان يبرز إلى ذهني تساؤل معيّن: ما الذي حمل النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكون مهمومًا حزينًا؟!
كنت أتوقع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سوف يكون مسرورًا مبتهجًا سعيدًا بعظيم منة الله -تبارك وتعالى- عليه، تخيلوا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أُسري به إلى بيت المقدس، وصلَّى بالأنبياء والمرسلين، بعد أن أُسري به على ظهر البراق، عُرج به إلى السماء مع جبريل -عليه السلام-، قابل الأنبياء والمرسلين وسلَّم على إخوانه وأصحابه، وأفضى إلى الله -تبارك وتعالى-، وخاطب الله -تبارك وتعالى- مخاطبة مباشرة، وكلَّمه الله -سبحانه وتعالى- وأفضى إليه بإجاب الصلاة، رأى من آيات ربه الكبرى ..
تخيلوا ضخامة الحدث الذي جرى للنبي - صلى الله عليه وسلم - والذي يُفترض أن يكون الإنسان سعيدًا مسرورًا بهذه النعمة الهائلة التي أفضى الله -تبارك وتعالى- بها عليه.
العلماء يتكلَّمون أن جزءًا من الحكمة الإلهية بما يتعلق بحدث الإسراء والمعراج هو التسلية والتسرية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - على عقب عام الحزن وعلى عقب تكذيب أهل الطائف له - صلى الله عليه وسلم -. فما بالك يا رسول الله مهمومًا حزينًا؟!