الصفحة 3 من 76

أما إذا ما تغير المناط المكفِّر وكان يحتمل العذر بالجهل أو التأويل وجب أن ينصرف الجهد إلى رفع الجهل بالبلاغ الذي تقام به الحجة الرسالية ورفع التأويل بإزالة الشبهات وجلاء ما استعجم فهمه على المتأول، فليتنبه إلى هذا الفارق لأن الآية أجملته في سياقها الخاص اكتفاءًا بدلالة أصول الشرع عليه.

ثم نلاحظ أنه بعد صدور الحكم في الآية وبعد تنزيل اسم الكفر على هؤلاء المعينين كان بيان العقوبة المعجَّلة والمؤجلة أو قل بيان ما يترتب على تنزيل هذا الاسم من أحكام شرعية، وهكذا تكتمل روعة المنهج القرآني لا من حيث الدقة في البيان فحسب، بل من حيث انتفاء العبثية والتناقض، فما معنى أن يكون في أسماء الدين كافر ومسلم ثم نتوقف عن تعيينهما؟ وكيف ينبني أداء الواجبات وتحصيل الحقوق إذا ما توقفنا عن تعيين الاسم الشرعي لمن تلبس بمناط من مناطات الكفر أو غير ذلك من أسماء الدين وأحكامه؟

فإذا علم ما تقدم تبين لك مدى هجر المسلمين لمنهج القرآن اليوم، وأعني بالمسلمين بطبيعة الحال حملة ميراث النبوة الذين يناط بهم مسؤولية البيان والبلاغ والإعذار إلى الله عز وجل، وليس من البيان في شيء أن يبيَّن المنتسبون للعلم الشرعي أن لتكفير المعين موانع تمنع من تنزيل اسم الكفر عليه ثم يتوقفون عند هذا الحد!

قلت: ليس هذا هو البيان الذي تبرأ به الذمة وتبلغ به الحجة، أو قل ليس هذا هو منهج القرآن الكريم على أقل تقدير، بل إن البيان والحجة الرسالية يقومان حين يعمل العلماء الربانيون على إزالة أعذار الجهل والتأويل والتحقق من انتفاء الإكراه عند من تلبس بالمناط المكفِّر، أما أن يقول من أنيطت بهم مسؤولية البلاغ والبيان واستشرفوا إلى تحصيل استحقاقات منصب العلم وأهل العلم الربانيين المستحفَظين على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أن يقول هؤلاء: إن لتكفير هؤلاء موانع وإن لأعيانهم أعذار توجب التوقف عن تكفيرهم أو تنزيل أسماء الدين عليهم ويتوقفوا عند هذا الحد ... فلا.

قال الله تعالى: {يأيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين} [المائدة: 67] ، إن فعل هؤلاء كفعل من يقول: إن الله لا يقبل دين أحدٍ لا يموت على الإسلام ثم يتوقف عن بيان كيفية الدخول في الإسلام، فما يغني قوله الأول عن الناس شيئًا البتة، بل إن قوله وعدمه سواء من حيث أثره على أعيان المكلفين.

وأنقل لك في هذا الصدد قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (أن بيان الحكم سبب لزوال الشبهة المانعة من لحوق العقاب، فإن العذر الحاصل بالاعتقاد - أي الاعتقاد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت