وتأمل قوله تعالى: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهمّوا بما لم ينالوا} [التوبة 73] .
والشاهد في هذه الآيات ومثيلاتها؛ هو بيان منهج القرآن في تنزيل أسماء الدين على مستحقيه من حيث التدرج في تنقيح المناط - أعني مناط الكفر - وتحقيقه ودرء شبهة وجود المانع وإصدار الحكم المترتب عليه بلا توقف.
ولنتدبر في الآية الأولى كنموذج لتحرير وتطبيق هذا المنهج، فالخطوة الاولى كانت في تنقيح المناط المكفِّر الذي تلبس به هؤلاء وهذا المناط في الآية هو الاستهزاء بالدين سواء أكان استهزاءًا بالله أم بآياته أم برسوله صلى الله عليه وسلم أم بهم جميعًا، بحيث إن من تلبس بأي قول أو فعل أو اعتقاد أو تقرير منطوٍ على جنس استهزاءٍ بالدين فقد تلبس بمناطٍ مكفِّر، ثم إن الآية قد مضت في توضيح كيفية تنزيل اسم الكفر على من تلبس بهذا المناط، فأخذت بتحقيق المناط - أي التأكد من تلبس المعيَّن به - وكان ذلك عن طريق سؤالهم وتقريرهم حيث قال تعالى: {ولئن سألتهم ليقولنّ} .
فلما أقروا بتلبسهم بالمناط تأكدت نسبة الفعل إليهم وارتفع مانع الإكراه وتحقق المناط المكفِّر فانطلقت الآية إلى الخطوة التالية وهي درء شبهة وجود المانع من تنزيل اسم الكفر على هؤلاء المعينين المتلبسين بالمناط المكفِّر حيث حاول هؤلاء المعينون الاعتذار بقولهم: {إنما كنا نخوض ونلعب} ، ويا له من عذر أوهى من بيت العنكبوت، ولهذا فقد ألقمتهم الآية حجرًا وردت عليهم هذا الاعتذار السخيف؛ وهل يكون الخوض واللعب بالله وآياته ورسوله، فيا لهم من هلكى ويا لهم من حمقى.
وهكذا وبزوال هذا العذر المتهافت صدر الحكم الصارم: {قد كفرتم بعد إيمانكم} ، بلا توقف وبلا تردد وبلا تلكؤ، ليتم بذلك البلاغ والإعذار إلى الخلق وليعلم الناس كل الناس أن ثمة فرق بين المسلم والكافر، وأن ثمة فرق بين من العبد المقيم على باب سيده وبين ذلك العبد الآبق الذي خلع عقد الإسلام من ربقته وتهافت كالفراش نحو نار هلاكه.
وأنبه هنا إلى نكتةٍ دقيقة تتعلق بخصوصية المناط المكفِّر المذكور في الآية إذ أنه من المكفَّرات التي لا يقبل معها - ولا مع أمثالها من المناطات المكفرة كسبِّ الله تعالى أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم ونحوه - لا يقبل معه أعذار الجهل والتأويل - أما الإكراه فقد تقدم زواله بإقرارهم على أنفسهم تلبُّسهم بهذه الجريمة النكراء - فكان الواجب نفيه ورفعه في هذا المناط المكفر هو الشبهات والأعذار الواهية كما تقدم من اعتذارهم بالخوض واللعب.