فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 220

قالَ لهُ الخَضِرُ مُذَكِّرًا: ألمْ أقُلْ لكَ مِنْ قَبلُ إنَّكَ لا تَصبِرُ على الاعتِراضِ عَمَّا أفعَلُه؟

قالَ موسَى عَليهِ السِّلام: إذا سألتُكَ عنْ شَيءٍ بعدَ هذا ممّا تَفعَلُهُ لِمَ فَعَلتَه، فلا تُصاحِبْني، فقدْ قَبِلتَ عُذري مِنْ قَبل، ولا عُذرَ لي بعدَه.

وانطَلقا يَمشِيان، حتَّى إذا وصَلا إلى قَريَة، طَلبا الضِّيافَةَ مِنْ أهلِها، فلمْ يُطْعِموهُما، وكانوا لِئامًا، بُخَلاء. فوجَدا فيها جِدارًا مَائلًا يكادُ أنْ يَسقُط، فرَدَّهُ الخَضِرُ فأقامَهُ بيَدِه.

فقالَ لهُ موسَى: قَومٌ أتَيناهُمْ لِيُضَيِّفونا فلمْ يُطعِمونا، لو أرَدْتَ لاتَّخَذْتَ على عمَلِكَ هذا أجرًا منهم.

قالَ لهُ الخَضِرُ عَليهِ السَّلام: هذا وَقتُ فِراقِ ما بيني وبَينِك، فإنَّكَ لم تَلتَزِمْ بشَرطِ الصُّحبَةِ مَعي، وسأُخبِرُكَ بمآلِ وعاقِبَةِ ما لم تَصبِرْ عَليهِ ممّا حدَثَ معَنا، لكَونِهِ مُنكَرًا عندَكَ مِنْ حيثُ الظَّاهِر.

قالَ في"إرشاد السّاَري": كانتْ أحكامُ موسَى كغَيرِهِ منَ الأنبياءِ مَبنيَّةً على الظَّواهِر، ولذا أنكرَ خَرْقَ السَّفينَة، وقَتْلَ الغُلام، إذِ التصَرُّفُ في أموالِ النَّاسِ وأرواحِهمْ بغَيرِ حَقٍّ حَرامٌ في الشَّرعِ الذي شَرَعَهُ لأنبيائهِ عَليهمُ السَّلام، إذْ لم يُكَلِّفْنا بالكَشفِ عنِ البِواطِن، لِما في ذلكَ مِنَ الحرَج. وأمَّا وقوعُ ذلكَ منَ الخَضِر، فالظَّاهِرُ أنَّهُ شُرِعَ لهُ أنْ يَعمَلَ بما كُشِفَ لهُ مِنْ بَواطنِ الأسرَار، واطَّلعَ عليهِ منْ حَقائقِ الأشياء ...

أمَّا السَّفينَةُ التي خرَقتُها، فكانتْ لمَساكينَ يَعمَلونَ ويَكتَسِبونَ في البَحر، فأرَدتُ أنْ أجعلَها مَعِيبَة، وكانَ أمامَهمْ مَلِكٌ ظالِمٌ يأخذُ كُلَّ سَفينَةٍ جَيِّدَةٍ غَصْبًا.

وأمَّا الغُلامُ الذي قَتَلتُه، فلو أنَّهُ كَبِرَ لكانَ كافِرًا، وكانَ أبَواهُ مُؤمِنَينِ صالِحَين، وعَلِمنا أنَّهُ لو بلغَ لدَعاهُما إلى الكُفر، ولاستَجابا لهُ وتابعاهُ في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت