فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 220

لقدْ خابَ المشرِكونَ وخَسِروا أفلاذَ أكبادِهمْ بقَتلِهم، وذلكَ لضلالِهمْ وضيقِ عُقولِهمْ وجهلِهمْ بأنَّ اللهَ هوَ رازِقُهم ورازِقُ أولادِهم. كما ضيَّقوا على أنفسهِمْ عندما حرَّموا أشياءَ لم يُنْزلِ اللهُ بها سُلطانًا، كالبحائِر والسَّوائبِ وما إليهما، ومعَ ذلكَ نَسَبوها إليهِ كَذِبًا وافتراء، لقدْ بَعُدوا عنْ طَريقِ الحقّ، وما كانوا أهلَ هِدايةٍ واستِقامة.

{قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللّهُ افْتِرَاء عَلَى اللّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [الأنعام: 140]

ومن المناظراتِ التاريخيةِ والدينيةِ العظيمة، مَلِكٌ متكبِّرٌ متعنِّت، أعطاهُ اللهُ منَ المالِ ما أعْطاه، ثمَّ جاءَ يُجادلُ النبيَّ إبراهيمَ عليهِ السلامُ ويُخاصِمهُ في ربِّه، وذلكَ لمّا رأى نفسَهُ مختصًّا بمالٍ ومُلكٍ ليسَ عندَ غَيرِه، ويأمرُ وينهَى كما يَشاءُ فيُسمَعُ ويُطاع، فقالَ لهُ إبراهيمُ عليهِ السلام، لِيُريَهُ حَقيقَةَ نفسهِ وضَعْفَ قوَّتهِ وإرادتهِ أمامَ ربِّهِ الخالق: إنَّ اللهَ يُحْيي ويُمِيتُ، وإنَّ ما يُرَى مِنْ ذلكَ في عالمِ الإنسانِ والحيوانِ دليلٌ على وجودِه، وعلى تَصريفهِ للكونِ وتَدبيرِهِ لما يَجري فيهِ وحدَه، فهي لا تَحْدُثُ بنفسِها، بلْ لا بدَّ لها مِنْ مُوجدٍ ومِنْ مدبِّر، وهوَ الذي يَسْلُبُ حياةَ مَنْ شاءَ متَى شاء، بأسبابٍ ظاهرةٍ أو باطِنة، مَعروفةٍ أو غيرِ مَعروفة.

فالإحياءُ والإماتةُ مِنْ صفاتِ هذا الإلهِ الذي لا يَكونُ أحدٌ مثلَه، ولا يَستطيعُ أحدٌ أنْ يَقومَ بما يقومُ هوَ به، وهوَ الذي أعبدهُ وأدعوكَ وأدعو الناسَ إلى الاستسلامِ لهُ وعبادتِه، فهوَ الخالق، والمُحيي والمُميت، الذي بيدهِ كلُّ شَيءٍ في هذا الكون، فلا إلهَ إلا هو، ولا عبادةَ إلاّ له.

واغترَّ هذا المَلِكُ المتكبِّرُ بما يَملِكُ مِنْ قُوىً بشَريَّةٍ وسَيطرة، فتمادَى في غَيِّهِ وقالَ لإبراهيم: أنا أيضًا أُحيي وأميت!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت