فأجاز إليه نكاحها رجاء إسلامها، لأنها آمنت بكتب الأنبياء والرسل في الجملة، وإنما نقضت الجملة بالتفصيل بناء على أنها اخبرت عن الأمر على خلاف حقيقته، فالظاهر انها متى نبهت على حقيقة الأمر تنبهت وتأتي بالايمان على التفصيل، على حسب ما كانت أتت به على الجملة، هذا هو الظاهر من حال التي بنى أمرها على الدليل دون الهوى، والطبع والزوج يدعوها إلى الإسلام وينبهها على حقيقة الأمر رجاء اسلامها ووصولها إلى هذه العاقبة الحميدة [1] .
وبما أن من مقاصد الشريعة حفظ التدين في الأسرة، من أجل تحقيق هذا المقصد جاءت أحكام الشريعة بمسؤولية رب الأسرة منذ بداية تكوينها باختيار ذات الدين، وبتعليم زوجته وأولاده شؤون العقيدة والعبادة والأخلاق ولما يترتب على
(1) وهناك خلاف فقهي في حالة الكتابية التي تعتقد أن الله ثالث ثلاثة، أو أن الله هو المسيح بن مريم، أو أن العزير ابن الله .. أهي مشركة محرمة. أم تعتبر من أهل الكتاب وتدخل في النص الذي في المائدة: «الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ» ... «وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ» .. والجمهور على أنها تدخل في هذا النص .. ولكني أميل إلى اعتبار الرأي القائل بالتحريم في هذه الحالة. وقد رواه البخاري عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: قال ابن عمر: «لا أعلم شركًا أعظم من أن تقول ربها عيسى» ..
ولا ننسى هنا أن نذكر أنه مهما ترخص المترخصون في الزواج من غير المسلمة، فإن مما لا خلاف عليه، أن الزواج من المسلمة أولى وأفضل من جهات عديدة، فلا شك أن توافق الزوجين من الناحية الدينية أعون على الحياة السعيدة، بل كلما توافقا فكريا ومذهبيا كان أفضل، ومن هنا نعلم أن الزواج من غير المسلمات في عصرنا ينبغي أن يمنع سدا للذريعة إلى ألوان شتى من الضرر والفساد. ودرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة. ولا يسوغ القول بجوازه إلا لضرورة قاهرة أو حاجة ملحة، وهو يقدر بقدرها.
وأكثر من ذلك أن الإسلام لا يكتفي بمجرد الزواج من أية مسلمة، بل يرغب كل الترغيب في الزواج من المسلمة المتدينة، فهي أحرص على مرضاة الله، وأرعى لحق الزوج، وأقدر على حفظ نفسها وماله وولده، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:"فاظفر بذات الدين تربت يداك".
انظر: الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، مرجع سابق، 2>270، و سيد قطب، في ظلال القرآن، مرجع سابق، ص 241، والقرضاوي، بحث بعنوان: زواج المسلم من الكتابيات .. حقائق وضوابط، موقع القرضاوي، http://www.qaradawi.net/fatawaahkam/30/1706 - 2011 - 09 - 11 - 04 - 47 - 07.html.