المسألة الأولى:
حكم النية للصوم:
لا يصح الصوم إلا بنية، وهذا بالإجماع؛ لأنه عبادة محضة فافتقر إلى نية كالصلاة.
واشترطت النية في الصيام:
مع أنه من جملة التروك، والتروك في الشرع لا تفتقر إلى نية؛ وذلك لأن الصيام تركٌ مخصوص بزمن معلوم، فكان مفتقرًا إلى نية لتميزه وتعينه، وتحصل القربة به.
وقد حكوا في المسألة خلافًا: عن عطاء ومجاهد وزفر.
ويبدو والله أعلم: أنه ليس خلافًا محققًا، فهم إنما راموا أن الصحيح المقيم في شهر رمضان لا يفتقر إلى نية؛ لأن رمضان مستحق الصوم، فلم يفتقر إلى نية، فالزمن معيار له فلا يتصور في يوم واحد إلا صوم واحد، فالنية إنما تشترط للتعيين عند المزاحمة، ولا مزاحمة هنا؛ فالمعين لا يعين، بخلاف صوم النذر والكفارة، فيشترط لها النية بالإجماع.
وبهذا نعلم: أن كلامهم يتجه نحو الاستغناء عن استدعاء النية وتعيينها بسبب حضور أصلها من قبل المكلف، وتعين وصفها من جهة الشارع.
ونعلم كذلك: أن محل هذه المسألة المفترض ألا يكون في مسألة حكم أصل النية، وإنما في حكم تعيينها، ولكن هكذا ذكرها الفقهاء، فذكرناها في الموضع الذي يذكروه مع التنبيه على ذلك.
على أن ابن حزم وغيره حكوا عن زفر بن الهذيل قوله: من صام رمضان وهو لا ينوي صومًا أصلا، بل نوى أنه مفطر في كل يوم منه، إلا أنه لم يأكل ولم يشرب ولا جامع: فإنه صائم ويجزئه، ولا بد له في صوم التطوع من نية.
فلعل هذا من ابن حزم: إلزاما بظاهر قول زفر، أو أنه بسبب الخلط الواقع في إقحام قول زفر في قول عدم مشترطي النية لصوم رمضان، وإن كان الأمر في نفسه ليس كذلك.
وهناك عدة تفاريع تفيد: أن زفر يعتبر النية للصائم في الجملة، نقلها عنه الحنفية في كتبهم، منها ما يفسد فيه زفرُ الصومَ لفوات النية!.