جاء في القرآن لأن الله سبحانه منح رسوله حق التبيين لنصوص القرآن بقوله عز شأنه: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] ، ومن هذا السنن التي فصلت إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، لأن القرآن أمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، ولم يفصل عدد ركعات الصلاة، ولا مقادير الزكاة، ولا مناسك الحج، والسنن العملية و القولية هي التي بينت هذا الإجمال؟ وكذلك أحل الله البيع وحرم الربا، والسنة هي التي بينت صحيح البيع وفاسدة، وأنواع الربا المحرم. والله حرم الميتة، والسنة هي التي بينت المراد منها ما عدا ميتة البحر. وغير ذلك من السنن التي بينت المراد من مجمل القرآن ومطلقه وعامه، وتعتبر مكملة له وملحقة به.
3 -وإما أن تكون سنة مثبِتَة ومنشِئَة حُكما سكت عنه القرآن، فيكون هذا الحكم ثابتا بالنسبة ولا يدل عليه نص في القرآن. ومن هذا تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وتحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطيور، وتحريم لبس الحرير والتختم بالذهب على الرجال، وما جاء في الحديث:"يحرم من الرضاع ما يحرم بالنسب"، وغير ذلك من الأحكام التي شرعت بالسنة وحدها ومصدرها إلهام الله لرسوله، أو اجتهاد الرسول نفسه.
قال الإمام الشافعي في رسالته الأصولية: (لم أعلم من أهل العلم مخالفا في أن سنن النبي - صلى الله عليه وسلم - من ثلاثة وجوه، أحدها: ما أنزل الله عز وجل فيه نص كتاب، فسنَّ رسول الله مثل ما نص الكتاب، والآخر: ما أنزل الله عز وجل فيه جملة فبيَّن عن الله معنى ما أراد، والوجه الثالث: ما سنّ رسول الله مما ليس فيه نص كتاب) .