وأما وجود المقتضى للمباراة والمعارضة عند من تحداهم فهذا أظهر من أن يحتاج إلى بيان لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ادّعى أنه رسول الله وجاءهم بدين يبطل دينهم، وما وجدوا عليه آباءهم وسفه عقولهم وسخر من أوثانهم، واحتج على دعواه بأن القرآن من عند الله، وتحداهم أن يأتوا بمثله، فما كان أحوجهم وأشد حرصهم على أن يأتوا بمثله، كله أو بعضه ليبطلوا أنه من عند الله وليدحضوا حجة محمد على أنه رسول الله، وبهذا ينصرون آلهتهم ويدافعون عن دينهم ويجتنبون ويلات الحروب.
وأما انتفاء ما يمنعهم من معارضته، فلأن القرآن بلسان عربي، وألفاظه من أحرف العرب الهجائية، وعباراته على أسلوب العرب، وهم أهل البيان وفيهم ملوك الفصاحة، وقادة البلاغة، وميدان سباقهم مملوء بالشعراء والخطباء والفصحاء في مختلف فنون القول، هذا من الناحية اللفظية، وأما من الناحية المعنوية فقد نطقت أشعارهم وخطبهم وحكمهم ومناظرتهم بأنهم ناضجو العقول، ذوو بصر بالأمور وخبرة بالتجاريب، وقد دعاهم القرآن في تحديه لهم أن يستعينوا بمن شاءوا ليستكملوا ما ينقصهم ويتموا عدتهم وفيهم الكهان وأهل الكتاب. وأما من الناحية الزمنية، فالقرآن لم ينزل جملة واحدة حتى يحتجوا بأن زمنهم لا يتسع للمعارضة بل مفرقًا في ثلاث وعشرين سنة، بين كل مجموعة وأخرى زمن فيه متسع للمعارضة والإتيان بمثلها لو كان في مقدورهم.
فلا ريب أن الله سبحانه بلسان رسوله في كثير من الآيات تحدى الناس أن يأتوا بمثل القرآن، وأنهم مع شدة حرصهم وتوافر دواعيهم إلى أن يأتوا بمثله، وانتفاء ما يمنعهم لم يأتوا بمثله، ولو جاءوا بمثله وعارضوه لنصروا آلهتهم،