بل إن قوله سبحانه: {فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة:3] ، يشعر بأنه فعل محرمًا ولكن الله لم يعاقبه عليه رحمة منه. وقالوا كذلك: لم يسقط الإكراه حرمة إتلاف مال الغير ولا حرمة الفطر في رمضان، بل الحرمة مع الإكراه ثابتة، وإنما المقصود بالإباحة الترفيه عن المكلف. ولبقاء هذه الحرمة قالوا: إن العمل بالعزيمة أولى وإن من تمسك بالعزيمة واحتمل ما كره عليه حتى مات، مات شهيدا.
وأما رخصة الإسقاط فلا يكون حكم العزيمة معها باقيا، بل إن الحال التي استوجبت الترخيص أسقطت حكم العزيمة، وجعلت الحكم المشروع فيها هو الرخصة ومثلوا لهذا بإباحة أكل الميتة أو شرب الخمر عند الجوع والظمأ، وقصر الصلاة في السفر. فالمضطر إلى أكل الميتة أو شرب الخمر سقطت حرمتهما عنه في حال اضطراره، لأن الله سبحانه بعد ان بين هذه المحرمات قال: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة:3] ، وهذا يقتضي رفع التحريم ولو لم يأكل أو يشرب أثم. والمسافر سقطت عنه الأربع ولو صلى أربعا كانت الركعتان الأخيرتان نافلة وتطوعا لا من المفروض.
والحق أن النصوص التي شرعت الرخص لا يدخل ظاهرها على هذا التفريق، فإن الله سبحانه قال: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] ، فكل محرم عند الضرورة يباح بلا تفريق بين محرم ومحرم.
والقول بأنه عند الإكراه على إفطار رمضان يكون حكم العزيمة، وهو فرض الصيام باقيًا، وعند الاضطرار إلى أكل الميتة، أو شرب الخمر، لا يكون حكم