قوله: ولا يصام، بناء على المذهب أنه لا يصام عن الميت إلا أيام النذر. الأيام التي نذرها. يقول: إن كان على الميت نذر من حج أو صوم أو صلاة أو نحوها سُنَّ لوليه قضاؤه. إذا كان عليه نذر كأن يقول مثلا: إن شفاني الله -تعالى- أو رد غائبي، أو عافاني من هذا المرض، أو مثلا ربحت في هذه التجارة، أو مثلا جاء ولدي من غيبة فعليَّ أن أصوم عشرة أيام، وأن أحج حجة واحدة، وأن أصلي عشرين ركعة، أو نحو ذلك من القربات، كأي أن أتصدق مثلا بمائة، أو أن أقرأ القرآن في ليلة، أو أن أذكر الله في هذا اليوم ألف مرة.
هذا يعتبر نذر طاعة، يجب الوفاء به. يجب أن يوفى بهذا النذر. مثل ما إذا مات ولم يقضه، مات وهو لم يحج عن هذا الذي نذر عنه، يعني حجة النذر أو مات ولم يصم أو لم يصلِ، أو ما أشبه ذلك في هذه الحال، قيل: إنه يسن لوليه القضاء وقيل: يجب، إذا كان له تركة وجب، وجب أن يخرج من تركته من يقوم مقامه. فيقال: حج عن فلان فإن عليه نذرا، أو مثلا يقال لولده: صم عنه أو صل عنه. اجعل صلاتك عوضا عن صلاته التي نواها ولم يقدر.
ففي هذه الحال يجب الصوم على الولي، وكذلك الصلاة والحج والقراءة والذكر وما أشبه ذلك. ومع تركه يجب له مباشرة ولي. مع تركه يجب أن يفعل ذلك ولو بأجرة. كأن يعطى ما يحج به مثلا، ونحو ذلك.
فصل: يسن صوم أيام البيض، والخميس والاثنين، وست من شوال، وشهر الله المحرم، وآكده العاشر ثم التاسع، وتسع ذي الحجة، وآكده يوم عرفة لغير حاج بها، وأفضل الصيام صوم يوم وفطر يوم، وكره إفراد رجب، والجمعة والسبت والشك وكل عيد للكفار، وتقدُّم رمضان بيوم أو يومين ما لم يوافق عادة في الكل.
وحرم صوم العيدين مطلقا، وأيام التشريق إلا عن ذي متعة وقران، ومن دخل في فرض موسع حرم قطعه بلا عذر، أو نفل غير حج وعمرة كره بلا عذر.
ذكر بعد ذلك صيام التطوع:
يعني كما أن الله -تعالى- أحب من عباده أن يكثروا من أنواع العبادة. فإن من جملة العبادة الصيامَ. فإن جنسه فرض، وهو صوم رمضان. فإذا كان من جنسه ما هو واجب بأصل الشرع، فإنه يستحب الإكثار من التقرب بالصيام.
فمن ذلك صيام الأيام البيض. وردت أحاديث كثيرة عن بعض الصحابة أنه - صلى الله عليه وسلم - أوصاهم أن يصوموا ثلاثة أيام من كل شهر. منهم أبو هريرة وأبو ذر أن يصوموا من كل شهر ثلاثة أيام. ورد في حديث أبي بن كعب"إذا صمت من الشهر ثلاثا فصم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر"سميت هذه الأيام البيض؛ لأن لياليها بيضاء بالقمر، ونهارها أبيض بالنهار. هذا مما يسن صيامه.
كذلك أيضا يسن صيام الاثنين والخميس من كل أسبوع لمن قدر على ذلك، وإذا قلنا أيهما أفضل؟ صيام الاثنين والخميس أو صيام ثلاثة من كل شهر، وهي الأيام البيض. لا شك أن صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب، وورد فيه عدة أحاديث وجعل ذلك عدلا لصيام الدهر؛ لأنه إذا صام ثلاثة أيام فكأنه صام الشهر فيكون صام كل شهر، الحسنة بعشر أمثالها.
ولا شك أن الاثنين والخميس أكثر من الأيام الثلاثة؛ لأنه إذا صام الاثنين والخميس يصوم من كل شهر ثمانية أيام أو أكثر. وسبب تفضيل هذين اليومين، ما روي أنه -عليه الصلاة والسلام- كان يحافظ عليها ويقول:"إنها تعرض فيها الأعمال أو ترفع فيها الأعمال وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم"فدل على فضل هذه الأيام وعلى استحبابها، يعني: تطوعها.
كذلك أيضا صيام ست من شوال، ستة أيام من شوال، بعد رمضان فيها أحاديث كثيرة. أشهرها حديث في صحيح مسلم عن أبي أيوب"من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر، أو كان كصيام الدهر"فى حديث آخر:"صيام رمضان بعشرة أشهر وصيام ست من شوال بشهرين وذلك كصيام الدهر"كذلك أيضا هذه الست فيها أيضا كلام طويل. الأرجح أنه يستحب أن يبدأ بها. أن يتبعها رمضان بقوله: أتبعه، فيصوم الأيام