الصفحة 87 من 212

خالد:"فما يكون من كثرتهم إن كان النصر لنا والله معنا". وها قد سيّر الله لكم الصليبيين الجدد بزادهم وسلاحهم، {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [1] .

واعلموا أن هؤلاء الكفار الذين نصركم الله عليهم في مواطن كثيرة، قد حشدوا لكم جُموع بلادهم، فالناظر إليهم يراهم كالنمل، ولكنهم أصحاب عُدّة بلا قلوب، والله مولانا ولا مولى لهم، قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [2] .

وقد أيقنَّا أن القتال أوشك أن يشتد، وأنتم أهل البأس والشدة. والقتل في سبيل الله تَقَرُّ به عيوننا، ولا نزال نصبر لهم في الحرب والضرب والطعن، حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.

فلا ترجعوا يا جنود الإسلام عن عدوّكم حتى تُعاوِدوه، وافتحوا له أكثر من ثغر وجبهة، حتى يضيق عليه فييأس. واحذروا الوقت؛ فقد صار الوقت عدوّكم قبل أن تواجهوا عدوّكم. وفرِّقوا بين الحيطة والخوف؛ فمن دَاخَلَهُ الخوف قدَّم حياته على قتل عدوه، فالأولى به يومئذٍ أن يجلس مع الخوالف.

وإن الرجل القوي هو من يعرف متى يُقدِم ومتى يُحجِم، ويعرف عدوّه وخصمه كما يعرف نفسه؛ فنصف الحرب معرفة العدوّ. وإذا طلب حاجة تجهَّز لها بعدتها إن كان قادرًا، وإلا فبالمتاح؛ فقد جهّز رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سريّة بعثق من تمر.

وإنّ الرجل القوي يشتدّ على عدوّه، ويُحسن لصاحبه، ولا يُشهر سيفه إلا ليَهوِي به، ولا يَشتفي إذا انتصر، ولا يُذلُّ أحدًا ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، ولا يُقبل وقت الطمع، ولا يفر وقت الفزع. ويُقدِّم الرأي؛ فالسيف بلا رأي يقطع صاحبه، وقد يأخذ العدوّ بحسن التدبير أكثر مما يأخذه بالسيف.

وإن الرجل القوي لا يستريح، فإن استراح فلا يُريح العدوّ. والأهم من هذا أنه يخلع قلب عدوّه فيُرعبه ويُرهبه؛ فهو مغامر عاقل يخوض غمار الصعوبات ولا يَتهيَّب الشاهق منها، يُضحّي بنفسه لأجل أمته، وليس هو بمغامر متهور يضحّي بأمته لأجل نفسه، ولا يغترّ بقوّته، ولا يستهين بعدوّه، رفيقٌ بجنده وأهله، شديدٌ على عدوّه.

ولا يُستَجرُّ لحرب يختارها عدوه، بل هو من يفرض القتال على عدوّه في المكان الذي يناسبه ولا يناسب عدوّه. وإذا جُرح أو خُدش صار كالذئب أشدّ شراسة وأكثر قوة. يَغَار على أعراض

(1) [التوبة: 32] .

(2) [آل عمران: 173] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت