بسم الله الرحمن الرحيم
تفريغ
الكلمة الصوتية
التَّدخُّل الرُّوسي السَّهمُ الأخير
للشيخ الفاتح/ أبي محمد الجَولاني (حفظه الله)
مُؤسَّسَة التَّحَايَا
قِسْمُ التَّفْرِيغِ وَالنَّشْرِ
إنتاج: المنارة البيضاء للإنتاج الإعلامي
النوع: إصدار صوتي
المدة:21 دقيقة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد خير المرسلين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ثم أما بعد؛
بعد سلسلة الانتصارات الساحقة التي حققها المجاهدون على أرض الشام، والتي أدخلت النظام في مرحلته النهائية حيث انهارت قوّته الدفاعية وباءت جميع محاولاته الهجومية بالفشل، وتحوّل جيشه إلى ميلشيا كحال المليشيات المستعان بها؛ قوّات غير منسَّقة ولا مرتبة، لم تعد قادرة على إحراز دور فاعل سوى تلقِّي الهزيمة، ووصلت الفتوحات إلى عقر دار النظام النصيري، وتبيّن لإيران وحزب الله أن جميع الدعم الذي قدّموه لهذا النظام باء بالفشل والخيبة، وبدأت ملامح سقوطه تلوح في الأفق؛ فلجأ النظام لخطته البديلة، والتي تقضي برسم حدود دولته الجديدة، الممتدَّة من جنوب دمشق إلى شمال اللاذقية.
غير أن ضربات المجاهدين لم تَدَع له خيارًا لا في خطته البديلة ولا في غيرها؛ فإن الضّربات المركَّزة والعمليات المتقنة كانت تهدِّد أركان دولته المنشودة؛ فاللاذقيّة عنده في خطر، وكذا دمشق على دربها، فسارعت الوفود تلو الوفود إلى طهران ليُنقذوا ما تبقى من هذا النظام. واجتمع مع هذا رغبة عند الروس لإيجاد ملف ضاغط على المجتمع الأوربي علّه يقايض به على الملف الأوكراني.
ولم يجد الروس أفضل من الورقة السّورية يضغطون بها على الغرب لإيجاد حل للقضية الأوكرانية يصبُّ في مصلحتهم. وكذا لا يخفى وجود رغبة جامحة عند الروس في استعادة دور بارز لهم على الساحة الدولية، بعد فقدانهم لهذا الدور لأكثر من ثلاثين عامًا، وخاصة بعد تراجع الدور الأمريكي. وقد غاب عن الروس أن أسباب تراجع الدور الأمريكي عائد إلى النجاحات التي منّ الله بها على المجاهدين في كل من أفغانستان والعراق ما أدى إلى فشل الأمريكان في المنطقة.
وبعد هذا جاء الغزو الروسي ليُعلن للملأ أنه أتى لينقذ بشار من سقوطه، ويتخذ من حرب جماعة الدولة عنوانًا للوصول إلى مآربه كما فعل من سبقه، وهو يعلم حقًا أن تنظيم الدولة لا يُهدِّد وجود النظام؛ فالأماكن التي تسيطر عليها جماعة الدولة ليست على تماسٍّ مع عمق النظام؛ فلم يكن من العجب أن يبدأ قصفه باستهداف فصائل جيش الفتح والفصائل المتواجدة على تماس مباشر مع قوّات النظام، وكذلك قصف القرى الآمنة وقتل الأطفال والنساء، استمرارًا لما كان يفعله النظام المجرم.
ومن هذا المنطق جاء الغزو الروسي رغم الأسى مبشِّرًا لنا؛ حيث أن الدخول الروسي هو إعلان لفشل التدخل الإيراني وحلفائهم من حزب الله وغيرهم، وإعلان لانهيار النظام، ووصوله لآخر رمق في حياته. جاء التدخل الروسي ليعلن أيضًا عن حملة صليبية شرقية بعد فشل الحملة الصليبية الغربية في الشام، وفشل كل سياساتها ومكرها وخداعها للالتفاف على جهاد أهل الشام، وتَطويعهم لحلولها السياسية البالية، التي تقضي أن تكون الشام تابعة للغرب مُسيطَرًا عليها.
ونحن نتساءل، هل حقًا تعتقد الحكومة الروسية أن جيش النظام وبشّار الأسد سيتم إنقاذه ببعض الطائرات والمدافع؟! هل هذا حقًا ما ينقص النظام للحفاظ على بقائه؟! فمما لا شك فيه أن هناك أهدافًا كثيرة للتدخل الروسي لم يتمّ الكشف عنها، وستُرينا الأيام ما نجهل اليوم.
إن ما نعلمه يقينًا أن السُّنة مع الغزاة الطارئين كما النبتة لا تحيا في غير أرضها، وها هم صليبيو الشرق أتوا ليقولوا لكل مسلمي العالم شرقهم وغربهم، جئناكم لنستأصل شأفتكم ونعيد تاريخًا أسودًا عمره ألف عام، متحالفين مع أشد الناس عداوة للمسلمين وأهل السنة؛ ألا وهم الرافضة الصَّفويُّون من شيعة إيران والعراق ولبنان ونصيريّة سوريّا، وسيُعيدون بذلك تاريخهم الأسود في تسليط الكافرين على أهل السنة كما فعل جدهم ابن العلقمي عندما أدخل التتار على بغداد فاستباحوا المسلمين وقتلوا منهم نحو مليون مسلمًا، وكما فعل زعماء الرافضة في إيران من إدخال الأمريكان إلى أفغانستان والعمل على كشف عورات أهل السنة.
ولا يخفى على أحد كيف أعانت إيران والأحزاب التابعة لها من رافضة العراق، كيف أعانوا الأمريكان على احتلال العراق، ثم ما لبث الأمريكان أن سلموا العراق على طبق من ذهب لإيران، واليوم يتحالف الرافضة من إيران ولبنان والعراق مع النصيّرية لتُستباح الشام المسلمة للغزو الصليبي الشرقي؛ روسيا الاتحادية، ويتفاخرون بذلك ويهللون ويرقصون، ثم يدَّعون أنهم يقاومون ويمانعون! وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ يقول: (إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت) .
إن الحرب في الشام ستُنسي الروس أهوال ما لاقوه في أفغانستان، والغزو الروسي الجديد هو آخر سهم في جعبة أعداء المسلمين وأعداء أهل الشام بإذن الله.
وقد لاحت بوادر هزيمته من بدايته المتعثِّرة؛ حيث أن ضرباتهم إلى يومنا هذا لم تزد شيئًا عن ضربات النظام السابقة، لا في عشوائيتها من حيث الأهداف، ولا من حيث دقة الإصابة، وسيُكسَرون بإذن الله على عتبات الشام، والله الموفِّق.
أيها المسلمون في الشام الحبيب، إننا لسنا نعجب من الغزو الروسي الصليبي الجديد، بل نعجب من إصرار البعض على السير في ركاب الغرب ودول الإقليم ومقترحاتهم، والعبث معهم، وتضييع قضية الشام على غرار قضية فلسطين، فيشاركون المجتمع الدولي في إجرامه بحق أهل الشام من حيث يشعرون أو لا يشعرون، فتتحول القضية من إسقاط نظام كافر ظالم فاسد، وإحلال عدل الإسلام وشريعة الرحمن، وبسط الشورى في البلاد، وغير ذلك من المعاني النبيلة التي قضى في سبيلها آلاف المجاهدين، ومئات الآلاف من عامة المسلمين، وهُدِّمت نصف قرى ومدن أهل السنة، وهُجِّر من هجِّر، ونزح من نزح؛ تتحول كل هذه القضيّة العظيمة لتُختصر في الدخول في متاهات الحلول السياسية، حيث يأتي المبعوث الدولي ليُهجِّن بعض الضعفاء والسياسيين مع النظام ليخرج منهم بصيغة حل يقضي به على شوكة أهل السنة، هذا الحل الذي يؤمِّن مصالح الغرب ويطمئن اليهود ويحافظ على أمنهم، ويُبقي أهل السنة في حالة ضعف.
وحتى تكتمل الخديعة فإنهم يمنحون بعض السياسيين منصبًا فخريًا مؤقتًا هنا أو هناك، والثمن هو أرض ودماء وأعراض أهل السنة في الشام.
لقد ثبت لكل ذي لُبّ أن نجاح المعركة لم يكن إلا فيما اعتمد المجاهدون به على أنفسهم بعد الله، وهذه الساحة تشهد بكل انتصاراتها؛ فمعادلة النصر غاية في البساطة، قال الحق -جل في علاه-: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [1] ، بهذا فقط يُحقَّق النصر.
أما استجداء الدول الغربيّة والإقليمية فلن يأتي إلا بمزيد من الذل والهوان، فهذه الدول لا تحترم إلا أصحاب الأقدام الثقيلة والرجال الأشداء، قال تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [2] ؛ فكثرةُ الاستجداء تذهب بدين المرء وحيائه وكرامته وعزته، وتذهب بماء وجه وتُسقِط مروءته، وما عيش الرجل إذا سقطت مروءته؟!
وقد قيل:"لا تَسْعَ بقدمك إلى من يراك دونه فتصغُر عنده، واجعل عزة نفسك مقابل كبرياء عُجبه؛ فإن عزة النفوس تُقابل جاه الملوك، وإن الحق سبيل واحد، والباطل له سبل شتى".
وانظروا أيها الساعون خلف الغرب ودول الإقليم ماذا حل بقضية فلسطين وماذا حل بمن يحمل اسم هذه القضية النبيلة زورًا وبهتانًا كمحمود عباس، ذليل مهان مقهور يلهث خلف السراب، فيُضحَك عليه بخرقة تُرفع على سارية ويُصفق لها، بينما الشعب المسلم يُباد، والأرض تُغتَصب، والمسجد الأقصى يُنتَهك، أفهذا المصير الذي تأملونه لأهل الشام؟!
لا شك في أن بضعة مرابطين على أبواب الأقصى ببعض الحجارة يحقِّقون من الخير لهذه الأمة ما لا يفعله آلاف السياسيين في المؤتمرات الدولية. ومن أراد نصرة الشام والعزة لها ولأهلها فعليه بقطع علاقاته مع دولة الغرب والإقليم؛ فإن مَنْ قطع أسباب الفتنة على نفسه أحيا نفسه بذلك وجرَّد نفسه من القيد؛ فإن المال يفنى وكذا الجاه والسلطان، ويبقى الإيمان والتقوى ومخافة الله.
وبدلًا من أن يكون عمل الإنسان على الأرض سببًا للوصول إلى جنة الله، يتغير الحال ويصبح الحديث عن جنة الله سببًا للوصول إلى جنة الأرض.
فأرجو أن يَعِي الجميع ذلك، وتذهب عنهم صدمة الأوهام، ولا تصرفنَّهم الوسيلة القبيحة عن الغاية النبيلة. وإني في موطن الناصح المشفق، وخشية أن يدرك الناس الأمر ولكن بعد فوات الأوان، فلم أذكر ما أذكر بدافع المزاودة على أحد، وإنما بدافع النصح والشفقة على الدماء والأرواح من أن تضيع لغير الله؛ فانظروا من تصاحبون وإلى من بعد الله تلجأون، واختاروا لأنفسكم صحبة لا يشوبها غش ولا تخشون معها سوء المُنقلَب ومرارة الخذلان؛ فما هُزم المسلمون يومًا بقوّة خصمهم حتى هُزموا أولًا بأخطائهم وأسباب ضعفهم وتفرّقهم.
إن المعركة اليوم قد دخلت طورًا جديدًا، وهي في آخر مرحلة لها بإذن الله، وتُوجِب على الجميع أن يستعدَّ لها حتى لا تضيع دماء المسلمين؛ بحيث يستنفر المجاهدون جميعًا وعلى جميع الجبهات، فيتحرّك المجاهدون في حوران، في القنيطرة ودرعا، وكذا النشامى في غوطة الشام الشرقية والجنوبية والغربية، وحمص، ومحور حماة، واللاذقية وحلب، كلٌ يبدأ بمعركة كبيرة على أشد المناطق حساسية عند النظام، ولا بد من تصعيد المعركة واستهداف القرى النصيرية في اللاذقية.
وإني أدعو جميع الفصائل لجمع أكبر عدد ممكن من القذائف والصواريخ، ورشق القرى النصيرية في كل يوم بمئات الصواريخ كما يفعل الأوغاد بمدن وقرى أهل السنة، فنذيقهم شيئًا من عذابات أهلنا، وإن كفّوا عن قرى ومدن أهل السنة كَفَفنا عنهم ولا نعتدي، فمَنْ عامل بالِمثل ما ظَلَم.
وكم يجب أن تؤخر حقوق المسلمين ويُسفك من دمائهم لأجل رجل يعشق سلطانه؟! فدولة تقول يبقى الحاكم، وأخرى تقول بزوال الحاكم، وثالثة تقول يبقى مرحلة ثم يزول؛ ألا فليُقتل هذا الحاكم، فالسُّم في رأس الأفعى؛ فإني أعرض مكافئة بقيمة ثلاثة ملايين يورو لمن يقتل بشار الأسد ويُنهي قصته، حتى لو كان من قومه وأهله، يأمن على نفسه وعياله، ونوصله حيث يريد، وأنا ضامن له بإذن الله.
وكذا مكافئة بقيمة مليوني يورو لمن يقتل حسن نصر الله، ولو كان من طائفته وقومه، نؤمِّنه وأهله، ونوصله حيث يريد، وأنا ضامن له بإذن الله.
كما أدعو المجاهدين الأبطال في بلاد القوقاز أن يُخذِّلوا عن أهل الشام ما استطاعوا؛ فإذا قتل الجيش الروسي من عامة أهل الشام فاقتلوا من عامَّتهم، وإن قتلوا من جنودنا فاقتلوا من جنودهم، المثل بالمثل ولا نعتدي، والله ينصركم ويُعلي شأنكم.
كما أدعو الجميع على أرض الشام لوقف جميع أنواع الاقتتال الداخلي بين جميع الفصائل وإرجاء الخلافات لحين زوال وانكسار الحملة الصليبية الغربية والروسية في أرض الشام. أقول ذلك معذرة إلى الله لعلمي بصالح المجاهدين وحال المسلمين، فلا وهنًا نشكوه، ولا فقرًا نخشاه.
كما أدعو جميع شعوب المسلمين وشعوب المنطقة بشكل خاص أن يدركوا حجم الخطر الحقيقي الذي يُهدِّد البلاد والعباد فيما لو نجحت خطة التحالف الصليبي الرافضي في الشام وانعكاساتها على المنطقة برُمَّتها؛ فإن أهل السنة اليوم أمام تهديد حقيقي يمسُّ دينهم ودمائهم وأعراضهم
(1) [محمد: 7] .
(2) [هود: 113] .