الصفحة 4 من 12

ورقات في النقد الذاتي

بقلم؛ أبي ذر المغفر

من الدارج أن يقال لمن يطيع غيره في كل أمر ونهي وعبارة وإشارة؛ أنه يطيعه طاعة عمياء، تشبيها له بالأعمى الذي يدور حيثما أداره قائده، دون أي امتعاض أو أدنى اعتراض، ومثل هذا لا يستوي بحال هو والبصير الذي يرى الخير فيقبل نحوه، ويلمح الشر فيفر عنه، فلا يطيع غيره من المبصرين إلا عن قناعة تامة وبصيرة متفهمة.

وإذا كانت تلك الطاعة توصف بالعمياء، فحري بهذه الطاعة أن توصف بالمبصرة، لأنها في مقابلها عقلا وشرعا، يقول تبارك وتعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} ، فأثبت سبحانه وتعالى للصحابة الكرام التبعية لرسوله صلى الله عليه وسلم دون أن ينفي عنهم كونهم على بصيرة.

وشتان بين طاعة هذا وطاعة ذاك، {قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور} ؟! فلو نظرنا في كتاب الله عز وجل لرأينا الذم واللوم لأهل الطاعة العمياء والمدح والثناء لأهل الطاعة المبصرة.

-يقول تبارك وتعالى في فرعون وقومه: {فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما مسرفين} .

-ويقول لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه: {واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا} .

فسمى طاعة قوم فرعون لفرعون إسرافا، وسمى طاعة الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم نعمة وأمرهم بذكرها، وشتان بين المسرف والذاكر.

إلا أن هناك بين هاتين الطاعتين نوع آخر من الطاعات؛ هو خليط عجيب من الطاعتين السابقتين، يدعو إليه بعض المنتسبين للتيار الجهادي بلسان حاله، وإن لم يدع إليه بلسان مقاله!

-فهو إن تحدث إلى مأموريه؛ سمعت منه نقولا مستفيضة عن السلف الصالح وما سطروه في عقائدهم من ضرورة الرجوع إلى الأمير في الأمور الخلافية، والرد إليه عند النزاعات الشرعية الواقعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت