لما كان السائرون إلى الله، والمجاهدون في سبيله بحاجة ماسة إلى زاد يعينهم على الثبات على طريق الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله كانت هذه الوقفات التربوية ..
التعامل مع المخالف:
قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} .
وقال تعالى {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} .
هذه الآيات الكريمات ترسم الميزان الدقيق لتعامل المسلم مع غيره، وتقرر أن قوام ذلك هو العدل والنصفة والقسط سواء كان هذا الغير مسلمًا أو كافرًا، وأن هذا أمر الله تعالى وحكمه كما قال تعالى {قل أمر ربي بالقسط} . قال الإمام الشوكاني في تفسير آية الحديد (أي يتبعوا ما أمروا به من العدل فيتعاملوا فيما بينهم بالنصفة والقسط والعدل) 5/ 177. فتح القدير.
والقسط هو العدل والإنصاف بين الناس وهو الهدف السامي لكل رسالات السماء ولكل أنبياء الله تعالى.
وإن من يتأمل ما يجري على الإسلام من الفتن الكبار والصغار، يدرك أنها من إضاعة أصول الشرع الحكيم، ومنها أصول العدل والقسط ويقف على أهمية هذه القواعد والأصول لتخليص الفكر الإسلامي - وبالتالي العمل الإسلامي - من النزعة الخلافية التي أعجزته عن تحقيق الشرع، والاتفاق حتى على أبسط مبادئه.
وقد ابتليت الأمة بالنزاع والخلاف الذي يكون غالبًا عاريًا عن أي ضابط أو رادع من عقل أو شرع، حتى صار الخلاف في مسائل الاجتهاد الفقهي البحت مدعاة إلى التنازع والتخالف وأحيانًا كثيرة إلى التهاجر والتبديع، وصار أبناء الدعوة بين مشتط مسارع إلى التبديع والتجهيل مبغض في أمور لا تستحق ذلك البغض، وبين مفْرِط لا يفرق بين الخلاف أصليًا كان أو فرعيًا تنوّعًا كان أو تضادًا.
قال ابن جرير الطبري رحمه الله عند آية المائدة: (يعني بذلك جل ثناؤه: ياأيها الذين آمنوا بالله ورسوله محمد، ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام لله شهداء بالعدل في أوليائكم وأعدائكم، ولا تجوروا في أحكامكم وأفعالكم فتجاوزوا ما حددت لكم في أعدائكم لعداوتهم لكم، ولا تقصروا فيما حددت لكم من أحكامي وحدودي في أوليائكم لولايتهم لكم، ولكن انتهوا في جميعهم إلى حدي، واعملوا فيه بأمري) 10/ 95. تفسير ابن جرير.
وقال الإمام ابن كثير: وقوله تعالى: {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا} أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في كل أحد صديقًا كان أو عدوًا ولهذا قال {اعدلوا هو أقرب للتقوى} أي عدلكم أقرب الى التقوى من تركه) 2/ 44. تفسير ابن كثير.
أدب الخلاف يقتضى عدم إطلاق اللسان:
وإذا كان الله تعالى قد أمرك أيها المسلم بالعدل والنصفة مع عدوك الذي يحاربك ويؤذيك، فكيف بها مع أخيك المسلم الذي يخالفك في بعض الأمور، وقد يكون منها ما هو رأي واجتهاد ونظر، وإن من قواعد العدل والانصاف أن تجعل هذا الخلاف في حجمه الحقيقي وميزانه الشرعي، فلا يتعداه، وأن تحرص على دعوته لما تعتقد أنه الحق بالحسنى وتأليف القلوب فإن الائتلاف القلبي مدعاة للاتفاق الفكري والشرعي وأن تعرف حقه وصوابه وتغتفر قليل خطئه فيه.
قال ابن رجب: (والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه) .اهـ.
وأعلم أخي المسلم أن للجرح والتعديل قواعد وأصولًا شرعية، وليس هو مشاعًا لكل مبغض أو حاقد أو ناقد، فلا يجوز لأحد يخاف الله تعالى ويرجو رحمته أن يطلق للسانه العنان في كل مسلم فردًا كان أو جماعة بنقد وتجريح أو طعن في الأهداف والغايات إلاَّ بعلم وعدل وإنصاف، ومن تكلم في غيره بغير ذلك فهو مخالف للكتاب والسنة ومنهج سلف الأمة الصالح.
قال تعالى {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولًا} .. الآية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (والكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل لا بجهل وظلم كحال أهل البدع) 4/ 337. منهاج السنة النبوية.
وتأمل قول الله تعالى في أهل الكتاب {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائمًا} .. الآية.
فقد أنصف الله تعالى القوم ولم يعمم الحكم على جميعهم كما يفعل كثير من الناس وقد ذكر الصنف الذي يؤدي قبل الصنف الذي لا يؤدي بل لقد نزلت تسع آيات محكمات من كتاب الله الكريم في سورة النساء المدنية (الآيات 105 - 113) من أجل تبرئة يهودي من تهمة كاذبة اتهمه بها نفر من الأنصار! و (هذه الآيات تحكي قصة لا تعرف لها الأرض نظيرًا، تشهد بأن هذا القرآن من عند الله لأن البشر لا يمكن أن يرتفعوا إلى هذا المستوى إلا بوحي من الله، ففي الوقت الذي كان اليهود ينشرون فيه الأكاذيب على الإسلام والمسلمين، ويؤلبون المشركين، ويشجعون المنافقين، ويطعنون في القيادة النبوية، في هذا الوقت الحرج تنزل هذه الآيات لتنصف رجلًا يهوديًا اتهم ظلمًا بسرقة، ولتُدِين الذين تآمروا على اتهامه وهم بيت من الأنصار الذين كانوا يومئذ عدة الرسول صلى الله عليه وسلم ورسالته .. ) من تفسير الظلال بتصرف. وننصح كل مسلم أن يرجع إلى هذه القصة في كتب التفسير، فيتدبرها ويصطحبها معه في طريق سلوكه إلى الله أو عمله لنصرة دينه.
أئمة السلف قمة في العدل والإنصاف:
والتوسط والاعتدال في التعامل مع الناس قاعدة مطردة، وقد كان سلفنا مثالًا يحتذى ومنهجًا يتبع في عدلهم مع مخالفيهم.
قال الإمام الذهبي في ترجمة الواقدي: (والواقدي وان كان لا نزاع في ضعفه فهو صادق اللسان كبير القدر) 7/ 142. سير أعلام النبلاء.
وقال عن عبدالوارث بن سعيد (وكان عالمًا مجودًا من أهل الدين والورع إلا أنه قدري مبتدع) 8/ 301. سير أعلام النبلاء.
وهذا إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى يقول (لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق بن راهويه، وإن كان يخالفنا في أشياء فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضًا) 2/ 414 تهذيب تاريخ ابن عساكر.
وجاء في السير أيضًا في ترجمة أبي محمد ابن حزم الظاهري رحمه الله قول الإمام الذهبي (وصنف في ذلك - نفي القياس- كتبًا كثيرة، وناظر عليه، وبسط لسانه وقلمه، ولم يتأدب مع الأئمة في الخطاب، بل فجَّج العبارة، وسب وجدّع، فكان جزاؤه من جنس فعله، بحيث أنه أعرض عن تصانيفه جماعة من الأئمة، وهجروها ونفروا منها، وأحرقت في وقت، واعتنى بها آخرون من العلماء، وفتشوها انتقادًا واستفادة، وأخذًا ومؤاخذة، ورأوا فيها الدر الثمين ممزوجًا في الرصف بالخرز المهين، فتارة يطربون، ومرة يعجبون، ومن تفرده يهزؤون، وفي الجملة فالكمال عزيز وكل يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ينهض بعلوم جمة، ويجيد النقل، ويُحسن النظم والنشر، وفيه دين وخير، ومقاصد جميلة، ومصنفاته مفيدة، وقد زهد في الرئاسة، ولزم منزله مُكبًا على العلم، فلا تغلوا فيه، ولاتجفوا عنه، وقد أثنى عليه قبلنا الكبار) 18/ 186. سير إعلام النبلاء.
وقال عن أبي حامد الغزالي: (الغزالي إمام كبير، وما من شرط العالم أنه لا يخطئ) .اهـ.
ولولا خشية الإطالة والملال لسردنا من كلام العلماء الثقات في هذا الباب الشيء الكثير.
فيجب على كل أخ مسلم وخاصة المجاهد في سبيل الله الذي يسعى إلى أن يقيم العدل في الناس ويحكمهم بشريعة الله أن يعدل وينصف في كلامه عن غيره فردًا كان أو جماعة، فيذكر المساوئ محذرًا وناصحًا بالحسنى ولا يغفل عن ذكر المحاسن، ذلك أن كل بني آدم خطاؤون وخير الخطائين التوابون وليس أحد من البشر معصومًا من الخطأ - إلا من عصم الله من الانبياء - فلا تدفن الحسنات لخطأ ارتكبه إنسان فإن الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث، فمن غلبت فضائله هفواته اغتفرت أخطاؤه، كما قال صلى الله عليه وسلم في قصة حاطب ابن أبي بلتعة: (وما يدريك ياعمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) .. الحديث.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ومن سلك طريق الاعتدال، عظم من يستحق التعظيم، وأحبه ووالاه، وأعطى الحق حقه، فيعظم الحق، ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات فيحُمد ويُذم، ويُثاب ويُعاقب ويُحب من وجه ويُبغض من وجه هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافًا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم) 4/ 543. منهاج السنة.
وإنه لمن المؤسف والمحزن أن بعض الناس إذا أبغضوا شخصًا أو جماعة فإن هذا البغض والحقد يُعمي بصائرهم، فينسيهم كل الحسنات ولا يرون إلا السيئات، بل يصل بهم الحال إلى الطعن واللمز وحتى التشكيك في النوايا التي لا يطلع عليها إلا علام الغيوب، بل ويصل بهم إلى الافتراء والكذب، وتجدهم لا يذكرون الأخطاء مجردة بل يذكرونها مع التضخيم والتهويل والتدليس، ويجعلون من الحبة قبة كما يقولون، وهذا كله من الظلم والاعتداء ومجانبة العدل والإنصاف.
نتائج عدم العدل والإنصاف:
إن الكلام بغير علم ولا عدل ولا إنصاف يسبب الفرقة والشحناء والبغضاء ومن ثَمَّ الفشل وذهاب وحدة الصف وقوته، فتجد الخصم والمخالف يفرح أشد الفرح إذا وقع مخالفوه في خطأ، لكي يحسبه عليهم، بل قد يصبح همه الوحيد تتبع العثرات، والاصطياد في الماء العكر، وفي نفس الوقت تجده يحزن اذا أصاب مخالفوه الحق، أو نالهم نصر أو نعمة، وهذا هو عين الظلم الذي لا يلتقي مع العدل والإنصاف ويكفيك لمعرفة أثر عدم العدل والإنصاف ما يجري في ساحة العمل الإسلامي وهي صفوة مجتمعات المسلمين من اختلاف وتنازع وطعن، لا يكاد ينجو منه إلا قليل ممن عصمهم الله تعالى، فيجب على كل أخ مسلم فضلًا عن الداعية والعامل أن يتخلق بالعدل والإنصاف مع مخالفيه من إخوانه، وأن يتحلى بهذا المنهج السديد والأدب الرفيع - ذكر المحسن بحسناته عند ذكر مساوئه - في تقويمه لإخوانه، وحمل أقوالهم وأعمالهم على المحمل الحسن ما أمكن ذلك، وأن يقيل ذوي الهيئات عثراتهم، ذلك أنه ليس من عالم أو شريف إلا وفيه عيب وكما قيل (أيها الرجل لاتكن كالمنخل، يُرسل أطيب ما فيه ويُمسك الحُثالة) .اهـ.
وننبه كل أخٍ مسلم والمهاجر والمجاهد خاصة حتى لا يضيع أجر هجرته وجهاده إذا أراد الكلام في غيره بحجة التقويم والإصلاح إلى عدة أمور شرعية هي:
أولًا: أن تسأل نفسك عن الدافع الحقيقي لكلامك في غيرك هل هو النصح لله ورسوله، أم الهوى الخفي والحسد والكراهية؟ قال الحسن البصري في معنى النفس اللوامة التي أقسم الله تعالى بها في أول سورة القيامة: (إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه، ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ وإن الفاجر يمضي قدمًا ما يعاتب نفسه.
ثانيًا: أن تنظر في هذا الدافع الذي يحملك على الكلام في غيرك هل هو من الدوافع التي تبيح لك الكلام في الغير أو لا.
ثالثًا: أن تستشعر معية الله لك، وأنه يسمع ويرى قولك وعملك وما تحكم به فلا تقل إلا بالحق والعدل.
رابعًا: قبل أن تتكلم في غيرك عليك أن تعد جوابًا عند الله يوم القيامة اذا سألك: لِمَ قلت في فلان كذا وكذا
خامسًا: أن تقدم حسن الظن بكل مسلم، لأن الأصل في المسلم السلامة والبراءة فتحمل أقواله وأفعاله على أفضل المحامل ما لم يبد منه ما يخرم هذا الأصل.
سادسًا: أن تتكلم بعد ذلك بعدل وإنصاف فإذا ذكرت مساوئه فلا تغفل عن محاسنه.
قال الحسن البصري رحمه الله (الغيبة ثلاثة أوجه كلها في كتاب الله تعالى، الغيبة والإفك والبهتان، فأما الغيبة فهو أن تقول في أخيك ما هو فيه، وأما الإفك فأن تقول فيه ما بلغك عنه، وأما البهتان فأن تقول فيه ما ليس فيه) 16/ 335 الجامع لأحكام القرآن.
سابعًا: مما يعينك على إنصاف الناس أن تضع نفسك موضع الذي تريد أن تتعامل معه أو تحكم عليه ثم تنظر: هل ترضى بهذا التعامل وتسلم لذلك الحكم أم تأنف وتغضب وترفض؟ والحق أن هذا ميزان دقيق لاخلل فيه أشار إليه النبي عليه السلام فيما رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: (فمن أحب أن يدخل الجنة ويزحزح عن النار فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه .. ) {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوًا مبينا} .اهـ.
والحمد لله رب العالمين
[عن مجلة الفجر]