كان خلقه القرآن وقال له ربه سبحانه وتعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} ، هذا كان خلقه سواء مع الذين وافقوه أو الذين لم يوافقوه، مع الأقوياء أو الضعفاء، مع القريب والبعيد ومع جميع الناس.
وكان من أخلاقه (أنه ما خير في أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما) هذا الحديث الشريف قد رواه البخاري - رحمه الله - في صحيحه في باب المناقب تحت فصل «مواصفات النبي - صلى الله عليه وسلم -» .
وكان من أخلاقه أيضا أن أكثر ما فضله في معاملاته اللطف والرفق والحلم والأناة؛ فالشدة والعنف من المستثنيات ويتم استعمالها بمقدار مناسب وفي مواطنها الصحيحة، وهذه هي الحكمة.
تأملوا معي - يا إخوتي الأفاضل - هذا الحديث في الصحيحين - البخاري ومسلم - والذي روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حيث قالت: «دخل رهط من اليهود على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: السام عليك، قالت عائشة: ففهمتها، فقلت: عليكم السام واللعنة، قالت: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (مهلا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله) » .
وفي لفظ آخر: «دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهود فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم ... فقالت عائشة: وعليكم السام .. قالت: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (يا عائشة إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش) ، قلت: ألا تسمعهم يقولون السام عليك؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (أو ما سمعت أقول وعليكم؟) » .
ومنها -أي: أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - حفظ النفس من دناءات ومهلكات الكلام والحرص على صون العرض؛ فإن من يطعن في غيره ويشتمه يعرض نفسه للطعن والشتم أيضًا، ومن ينتقص نفسه بعد ذلك ويذلّها فلا يعيبن على السفهاء.
هكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لم يكن لعانًا ولا سبابًا ولا فاحشًا ولا بذيئًا ولا صاخبًا.
واعلموا - أيها الأحبة - أن من كان لديه حق وهدى يمكنه أن يبين هذا الحق ويدافع عنه ويدعو إلى الهدى الذي هداه الله إليه ويرد الباطل الذي عرف بطلانه بالبراهين والأدلة والحجج دون أن يلجأ إلى الشتم أو يتقحم سبل شر الخلق.
بل إنه قد جرت العادة أن اللجوء إلى الشتائم والمسبات طريقة من عجز عن الأدلة والحجج وعلامة ضعف وإفلاس!