الصفحة 1 من 12

اعلموا أن الإسلام هو السنة وأن السنة هي الإسلام ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر.

هكذا قال الإمام البربهاري [1] في بداية كتابه"شرح السنة"وهو قول بشر الحافي [2] من قبله. لأن دين الإسلام لا يكتمل، وشريعته لا تفهم ولا تطبق إلا بأخذ السنة والعمل بها إلى جانب القرآن الكريم.

ومما يجدر ذكره والتنبيه إليه في بداية هذا الموضوع أن الأئمة الجهابذة من أهل السنة والجماعة كانوا إذا صنف أحدهم كتابًا يتعلق بمسائل الإيمان والاعتقاد أطلق على مصنفه اسم"السنة"كما هي حال الإمام أحمد في كتاب"السنة"مع أن موضوع الكتاب يتعلق بمسائل الاعتقاد، وكذا ابنه عبد الله، والخلال، والمروزي، واللالكائي، والطبري وغيرهم من الجهابذة من علماء أهل السنة والجماعة وهي الطائفة الناجية المنصورة بإذن الله.

الأدلة على وجوب طاعة الرسول والعمل بسنته:

ورد في الكتاب الكريم الآيات الكثيرة التي تحث على طاعة الرسول واتباع سنته والتزام أمره منها:

قوله تعالى: (( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليمًا ) ) [النساء:65] ، فقد أقسم سبحانه بنفسه الكريمة أنه لا إيمان لأحد حتى يحكم الرسول في جميع الأمور لأن حكمه حق يجب الانقياد له ظاهرًا وباطنًا والتسليم لحكمه وقضائه بلا حرج ومن غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة.

وقوله تعالى: (( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) ) [النساء:80] ، أعلمنا في هذه الآية الكريمة أن طاعة الرسول طاعة لله.

وقوله تعالى: (( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) ) [النور:63] .

وقوله تعالى: (( وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون، وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين، أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون، إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون، ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون ) ) [النور: 48 - 52] .

قال الإمام الشافعي:"فاعلم الله الناس في هذه الآية أن دعاءهم إلى رسول الله ليحكم بينهم دعاء إلى حكم الله لأن الحاكم بينهم رسول الله، وإذا سلموا لحكم رسول الله فإنما سلموا لحكمه بفرض الله" [3] .

وقوله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا ) ) [النساء:59] .

قال ابن القيم:"فأمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله وأعاد الفعل إعلامًا بأن طاعة الرسول تجب استقلالًا من غير عرض ما أمر به على الكتاب بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقًا سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه فإنه أوتي الكتاب ومثله معه، ولم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالًا بل حذف الفعل وجعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول إيذانًا بأنهم إنما يطاعون لطاعة الرسول"اهـ [4] .

وقوله تعالى: (( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ) ) [المائدة:92] .

وفي الحديث عن مقداد بن معد يكرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه. ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه" [5] .

وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" [6] .

وعن العرباض بن سارية قال:"وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال رجل إن هذه موعظة مودع فبماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبد حبشي فإنه من يعش منكم يرَ اختلافًا كثيرًا، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ" [7] .

وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" [8] .

وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يوشك بأحدكم أن يقول: هذا كتاب الله ما كان فيه من حلال أحللناه، وما كان فيه من حرام حرمناه، ألا من بلغه عني حديث فكذب به فقد كذب الله ورسوله والذي حدثه" [9] .

وعن ميمون بن مهران (( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ) )قال:"الرد إلى الله إلى كتابه، والرد إلى رسوله إذا كان حيًا فلما قبضه الله فالرد إلى سنته" [10] .

الالتزام بالسنة طريق الهداية والنجاة:

إن الله سبحانه وتعالى بعث الرسل لهداية الناس وإنقاذهم من الضلالة والغواية، فلما كانت بعثة النبي الكريم خاتم الأنبياء والرسل محمد عليه الصلاة والسلام أمرنا سبحانه باتباعه والتزام سنته فقال تعالى: (( فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم ) ) [الأعراف:158] .

وقال تعالى: (( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) ) [آل عمران:164] .

وعن عبد الله بن مسعود قال:"من سرّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن فإن الله عز وجل شرع سنن الهدى لنبيه وإنهن من سنن الهدى وإني لا أحسب منكم أحدًا إلا له مسجد يصلي فيه في بيته فلو صليتم في بيوتكم وتركتم مساجدكم لتركتم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم" [11] .

وعن عبد الله بن عمر قال: سافرت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع عمر فكانا لا يزيدان على ركعتين، وكنا ضلالًا فهدانا الله به فبه نقتدي [12] .

وعن مالك بن أنس قال: قال عمر بن عبد العزيز: سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننًا الأخذ بها تصديق بكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله، من عمل بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وصلاه جهنم وساءت مصيرًا [13] .

أما كون السنة سببًا للهداية فذلك لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى إنما هو بالوحي إذ الوحي كما ذكر العلماء على قسمين: وحي متلو وهو القرآن، ووحي غير متلو وهو السنة. قال تعالى: (( وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى ) )، وقال تعالى: (( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا ) ) [النساء:105] .

ذكر الإمام البخاري في صحيحه ترجمة لأحد أبواب كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة كما يلي:"باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل مما لم ينزل عليه الوحي فيقول لا أدري، أو لم يجب حتى ينزل عليه الوحي ولم يقل برأي ولا قياس لقوله تعالى: (( بما أراك الله ) )، وقال ابن مسعود: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح فسكت حتى نزلت الآية"اه.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بأصبعه إلى فيه فقال:"اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق" [14] .

لتبين للناس ما نزل إليهم:

تعد السنة شارحة للقرآن وموضحة له لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا آنفًا لا ينطق عن الهوى بل بين حاله بقوله تعالى: (( قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي ) ) [يونس:15] .

ولذلك فقد كانت أفضل طرق التفسير أن يفسر القرآن بالقرآن فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة، وقد قال الإمام الشافعي:"كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن" [15] .

وبيان النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن إنما كان بأمر الله عز وجل حيث قال تعالى: (( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ) ) [النحل:44] . وقال تعالى: (( وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه ) ) [النحل:64] .

عن حماد بن زيد عن أيوب أن رجلًا قال لمطرف بن عبد الله بن الشخير: لا تحدثونا إلا بالقرآن فقال له مطرف: والله ما نريد بالقرآن بدلًا ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا [16] .

ومن يمعن النظر في الأمثلة والحوادث التالية يعلم مدى الضرورة وشدة الحاجة إلى السنة وبيانها للكتاب الكريم:

فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت (( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) )شق ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسول الله: أينا لم يظلم نفسه؟ قال: ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه (( يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ) ) [17] .

وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: لما نزلت (( حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ) )عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي. فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فقال: إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار" [18] ."

وعن عبد الرحمن بن أبزى أن رجلًا أتى عمر فقال: إني أجنبت فلم أجد ماءً، فقال: لا تصلِّ، فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماءً، فأما أنت فلم تصلِّ، وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك، فقال عمر: اتقِ الله يا عمار. قال: إن شئت لم أحدث به [19] ."

وعن عروة بن الزبير قال: قلت لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: ما أرى على أحد لم يطف بين الصفا والمروة شيئًا، وما أبالي أن لا أطوف بينهما، قالت: بئس ما قلت يا ابن أختي، طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاف المسلمون فكانت سُنَّة، وإنما كان من أهلّ لمناة الطاغية التي بالمشلل لا يطوفون بين الصفا والمروة، فلما كان الإسلام سألنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله عز وجل: (( إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ) )ولو كانت كما تقول لكانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما [20] .

وغير ذلك من الوقائع والحوادث كثيرة تنبئ عن ضرورة الأخذ بالسنة.

ويظهر من خلال ما ذكرناه خطورة الفرقة التي تدعو إلى الأخذ بالقرآن وترك السنة بحجة أنها غير ثابتة، هذه الفرقة التي تسمى نفسها"أهل القرآن"والحقيقة أنهم أعداء الإسلام وكتابه الفرقان، فقد ظهرت هذه الفرقة في أيام الاستعمار الإنكليزي في شبه القارة الهندية، واستفحل أمرها هناك حينها لما لقوه من تشجيع وتأييد من المستعمر عدو الإسلام.

فتصدى لهم العلماء من أهل السنة والجماعة وكشفوا زيفهم وحقدهم وأبطلوا شبههم، وممن كتب في ردّهم العلامة المباركفوري حيث قال في شرحه لحديث:"لا ألفين أحدكم متكئًا"الخ. قال [21] :"وهذا الحديث من دلائل النبوة وعلامة من علاماتها، فقد وقع ما أخبر به فإن رجلًا قد خرج في البنجاب من إقليم الهند وسمى نفسه بأهل القرآن وشتان بينه وبين أهل القرآن بل هو من أهل الإلحاد، وكان قبل ذلك من الصالحين فأضله الشيطان وأغواه وأبعده عن الصراط المستقيم فتفوه بما لا يتكلم به أهل الإسلام، فأطال لسانه في رد الأحاديث النبوية بأسرها، ردًّا بليغًا، وقال: هذه كلها مكذوبة ومفتريات على الله تعالى، وإنما يجب العمل على القرآن العظيم فقط دون أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت صحيحة متواترة، ومن عمل على غير القرآن فهو داخل تحت قوله تعالى: (( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) )وغير ذلك من أقواله الكفرية، وتبعه على ذلك كثير من الجهال وجعلوه إمامًا. وقد أفتى علماء العصر بكفره وإلحاده وخروجه عن دائرة الإسلام والأمر كما قالوا". اهـ.

هذا وبيان السنة للقرآن الكريم على ثلاثة أوجه [22] كما ذكر العلماء:

الأول: أنها تأتي موافقة للكتاب الكريم ومؤيدة ومؤكدة لما جاء فيه من الآيات، فمن هذه: أحاديث الأمر بالصلاة والزكاة والصوم والحج، وتحريم الربا، وتحريم الظلم والغش، ونحو ذلك.

الثاني: أنها تأتي مبنية ومفسرة لكتاب الله عز وجل، وبيان السنة للقرآن يأتي على أنواع منها: بيان مجمله، أو تخصيص عامه، أو تقييد مطلقه، أو توضيح مشكله، أو بسط مختصره، أو مفرعة على أصل تقرر في القرآن.

فمن أمثلته: قوله عليه الصلاة والسلام:"صلوا كما رأيتموني أصلي"،"خذوا عني مناسككم"،"نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة"فقد خصصت المورث بغير الأنبياء، وقطع يد السارق من الكف، ففي ذلك تقييد لمطلق القرآن حيث قال سبحانه: (( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) )إذ اليد تطلق على الكف والساعد والعضد.

ومنع عليه الصلاة والسلام بيع الثمار قبل بدو صلاحها، وهذه السنة متفرعة على أصل تقرر في القرآن وهو قوله تعالى: (( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) ).

الثالث: ما سنّه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحكام ليس منصوصًا عليها في القرآن الكريم، ومنه: تحريم لحوم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وتحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها وميراث الجدة السدس، وألا يقتل مسلم بكافر، وغير ذلك من أحكام وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقلة.

من هدي السلف في اتباع السنة وتمسكهم بها:

كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من القرون الفاضلة يحرصون على اتباع السنة ويعملون بها دون تردد أو تخاذل لأن التردد والتخاذل من شأن المنافقين الذين يتباطؤون ويتخاذلون عندما يُدعون إلى أمر الله ورسوله.

عن علي رضي الله عنه قال: كنت أرى أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح ظاهرهما [23] .

وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: فيم الرملان الآن والكشف عن المناكب وقد أطأ الله الإسلام ونفى الكفر وأهله؟ ومع ذلك لا ندع شيئًا كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم [24] .

وعن عبد الله بن سرجس قال: رأيت الأصلع (يعني عمر بن الخطاب) يقبل الحجر ويقول: والله إني لأقبلك وإني أعلم أنك حجر وإنك لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبّلك ما قبلتك [11] .

وعن موسى بن سلمة قال: قلت لابن عباس: إذا لم تدرك الصلاة في المسجد كم تصلي بالبطحاء؟ قال: ركعتين تلك سنة رسول الله [25] .

وعن الحكم بن عتيبة عن مجاهد قال: كنت مع ابن عمر في سفر، فمرّ بمكان فحاد عنه فسئل لم فعلت؟ فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل هذا ففعلت [26] .

وعن أمية بن خالد بن أسيد أنه قال لعبد الله بن عمر: إنا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف في القرآن ولا نجد صلاة السفر في القرآن؟ فقال له ابن عمر: ابن أخي إن الله عز وجل بعث إلينا محمدًا صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئًا فإنما نفعل كما رأينا محمدًا صلى الله عليه وسلم يفعل [27] .

وقال شريح وابن سيرين:"لن نضل ما تمسكنا بالأثر".

وقال إبراهيم: ما الأمر إلا الأمر الأول، ولو بلغنا أنهم لم يغسلوا إلا الظفر ما جاوزناه، كفى إزراء على قوم أن نخالف أعمالهم [28] .

وعن عبد الرحمن بن مهدي: سمعت سفيان بن سعيد يقول: ما بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث قط إلا عملت به ولو مرة [29] .

وقال المروذي: قال لي أحمد: ما كتبت حديثًا إلا وقد عملت به حتى مرّ بي أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى أبا طيبة دينارًا، فأعطيت الحجام دينارًا حين احتجمت [30] .

وقال ابن عباس لرجل سأله عن مسألة فأجابه فيها بحديث، فقال له:"قال أبو بكر وعمر"، فقال ابن عباس:"يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون قال أبو بكر وعمر؟!! [31] ."

وفي جامع بيان العلم، باب ذكر بعض من كان لا يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو على وضوء، وذكر بسنده عن ضرار بن مرة قال: كانوا يكرهون أن يحدثوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم على غير وضوء [32] .

واعلم رحمك الله أن من قال في دين الله برأيه وقياسه وتأويله من غير حجة من السنة والجماعة فقد قال على الله ما لا يعلم، ومن قال على الله ما لا يعلم فهو من المتكلفين [33] .

وإذا رأيت الرجل يحب أبا هريرة، وأنس بن مالك، وأسيد بن حضير فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله، وإذا رأيت الرجل يحب أيوب، وابن عون، ويونس بن عبيد، وعبد الله بن إدريس الأودي، والشعبي، ومالك بن مغول، ويزيد بن زريع، ومعاذ بن معاذ، ووهب بن جرير، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وزائدة بن قدامة، فاعلم أنه صاحب سنة، وإذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل، والحجاج بن المنهال، وأحمد بن نصر، وذكرهم بخير وقال بقولهم فاعلم أنه صاحب سنة [34] .

وخضتم كالذي خاضوا:

لقيت السنة النبوية عناء كبيرًا من أهل البدع والانحرافات، وخاضوا في ردها، والطعن عليها ما بين منكرٍ لها بالكلية بحجة الاعتماد على القرآن والاقتصار عليه، وبين منكر لحجية خبر الآحاد، ومنهم من يرد السنة وينكرها بسبب موقفه من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يكفرهم ويلعنهم.

وقد ذكرنا أن الاعتصام بالكتاب والسنة هو سبب النجاة في الدنيا والآخرة، وأهل السنة والجماعة هم الطائفة الناجية المنصورة بإذن الله، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم.

وبيان ذلك في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"تفترق اليهود على إحدى وسبعين فرقة، أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" [35] .

وعن معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة - يعني الأهواء - كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة" [36] .

وحديث العرباض بن سارية، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم:"فإنه من يعش منكم يرَ اختلافًا كثيرًا، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ".

وقال الإمام البربهاري رحمه الله:"إذا سمعت الرجل يطعن على الآثار ولا يقبلها، أو ينكر شيئًا من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاتهمه على الإسلام فإنه رجل رديء القول والمذهب، وإنما يطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لأنه إنما عرفنا الله وعرفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفنا القرآن وعرفنا الخير والشر والدنيا والآخرة بالآثار" [37] .

وأول من تطاول من أهل الأهواء والبدع على الصحابة وردّ الأحاديث وشكك بالسنة وروى الأحاديث المكذوبة هم الشيعة ثم الخوارج، فالشيعة يجرحون جمهور الصحابة إلا نفرًا منهم، ومن جرحوهم ردوا أحاديثهم، والخوارج كفروا عليًا، وعثمان، وأصحاب الجمل، والحكمين، ومن رضي بالتحكيم بعد وقوع الفتنة، وبذلك ردّوا أحاديثهم. ثم المعتزلة ومن رؤوسهم: واصل بن عطاء، عمرو بن عبيد، أبو الهذيل العلاف، إبراهيم النظام.

وازداد الطعن من الرافضة على السنة ورواتها من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين بعد نجاح ثورة الرافضة في عصرنا الحاضر، وكثرت الكتب التي يصدرونها التي تثير الشبه وتشكك العامة والغوغاء، ولكن الله سلم وكشف زيفهم، وأماط اللثام عما تخفيه صدورهم من حقد وغل، وذلك بالكتب التي صنفها علماء أهل السنة والجماعة ومن أهمها كتاب"منهاج السنة"لشيخ الإسلام ابن تيمية، وكتاب"وجاء دور المجوس"بأجزائه الثلاثة الذي تتبع فيه مخططاتهم ومؤامراتهم الخبيثة، للشيخ عبد الله محمد الغريب.

وأما الخوارج والمعتزلة [38] فقد ردوا كثيرًا من الأحاديث، وأنكروا حجية خبر الآحاد، وذهب المعتزلة أيضًا إلى تقديم العقل على النقل، وكان من نتيجة ذلك أن ردوا كثيرًا من العقائد الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كعذاب القبر، والصراط، والحوض، والميزان، والشفاعة، ورؤية الله في الآخرة، وكثيرًا من الأحكام الشرعية الثابتة بدعوى مناقضتها للعقل، أو معارضتها للكتاب.

ومما زعموا معارضته للكتاب قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا وصية لوارث" [39] ، فقالوا: هذا معارض بقوله تعالى: (( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين ) )، والوالدان وارثان على كل حال.

أما أهل السنة فقد ذهبوا إلى أن الآية (( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين ) )، منسوخة بآية المواريث في سورة النساء قوله تعالى: قال تعالى: (( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ) ).

قال ابن عباس والحسن: نسخت الوصية للوالدين بالفرض في سورة النساء، وثبتت للأقربين الذين لا يرثون وهو مذهب الشافعي وأكثر المالكية وجماعة من أهل العلم.

وبمثل هذه المجازفات والجهالات يأتي من المعاصرين ممن تشابهت قلوبهم مع المعتزلة، فيرد أحاديث الآحاد، فيقول:"هذه أحاديث آحاد وهي لا يؤخذ بها في الأحكام"، ثم يسأل: هل هذا رأي شخصي لك؟ فيجيب: بل هو رأي كثير من العلماء .. ثم إن هناك أحاديث تعارض النص القرآني، ففي حين يقول القرآن: (( لا إكراه في الدين ) )، يأتي الحديث ليقول:"من بدل دينه فاقتلوه" [40] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت