وجوابنا على هذا: إنه لا تعارض بين النص القرآني والحديث النبوي والحمد لله، فالإنسان لا يكره على الدخول في الإسلام ولا يجبر على ذلك بل له حرية الاختيار، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وقد عاش في ظل الحكم الإسلامي أهل الذمة من اليهود والنصارى مئات السنين في بلاد الشام، ومصر، وغيرها ولم يجبروا على الدخول في دين الإسلام.
ولكن من دخل في دين الإسلام بمحض اختياره، وبعد دراسته لعقائد الإسلام وشرائعه، فمن كان أمره كذلك لا يحق له أن يترك دينه دين الإسلام ويرتد، حسمًا لداء الكفر، ودفعًا لخطر النفاق، فإن ارتد بعد دخوله في الإسلام تضرب عنقه.
فهل في ذلك تعارض، أو تناقض بين النصوص؟ أم أن التناقض والتعارض في الأفهام السقيمة، والعقول القاصرة، ورحم الله من قال:
وقد ينبح الكلب النجوم ودونه فراسخ تنضي الطرف للمتأمل
قال تعالى: (( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ) ) [النساء:83] .
والنصوص التي ظاهرها التعارض صنف فيها العلماء الجهابذة كتبًا مستقلة، كالإمام الشافعي في كتاب (اختلاف الحديث) ، وابن قتيبة في كتاب (تأويل مختلف الحديث) ، وأبي جعفر الطحاوي في كتاب (مشكل الآثار) ، وغير ذلك.
أما كان الأولى بالدكتور المتخصص في الفكر الإسلامي!! وقارئ التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية!! وصاحب الكتابات في الفكر الإسلامي!! كما يزعم ويدعي أن يطالع هذه الجهود التي أنتجتها العقول المؤمنة والقلوب السليمة لخدمة دين الله ونشر الحق بين الخلق.
آه يا جامعة الكويت .. لك الله يا جامعة الكويت إذا كان هذا هو المستوى العلمي للدكتور المتخصص .. صاحب البحوث!! فكيف حال الطلبة ومستواهم العلمي إنا لله، إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا فضلوا وأضلوا.
أين أنت يا جامعة الكويت من الأزهر وعلماء الأزهر أيام ازدهاره، كيف فعلوا بأبي ريّة ومن شابهه؟!! وماذا قال الشيخ محمد الغزالي ود. محمود مزروعة في ما حدث لفرج فودة، لقد شهدوا شهادة حق أرجو أن تثقل بها موازينهما عند الله يوم القيامة.
وأما المستشرقون وربائبهم في البلاد الإسلامية فمحاولاتهم في الإفساد والطعن على العلماء والتشكيك بالسنة لم تتوقف، لأن دعاة العلمنة في أيامنا سلكوا مسلكهم وتسلموا مهمتهم، ومن المستشرقين الذين حاولوا الطعن والتشكيك من أمثال: جولد تسهير، ومرجليوث، وأندرسون، وشخت، وبركلمان، وطه حسين، ومحمود أبو رية، وفيليب حتى، وجورجي زيدان .. وغيرهم من أعداء الإسلام ودعاة التغريب.
فقد كتب في الرد على أكاذيبهم وافتراءاتهم ودسائسهم وجهالاتهم عدد غير قليل من علماء أهل السنة والجماعة، كتب العلامة شبلي النعماني من علماء شبه القارة الهندية كتابًا في الرد على جورجي زيدان، وكتب الشيخ عبد الرزاق حمزة: (ظلمات أبي ريّة أمام السنة المحمدية) ، وغيره أيضًا، وكتب الشيخ مصطفى السباعي (السنة ومكانتها في التشريع) رسالة علمية نال بها درجة الدكتوراه، وردّ فيها على بعض المستشرقين وما حصل له من مواقف مع بعض الرافضة، وعلى المعتزلة وغيرهم.
وكتب أيضًا أستاذنا الشيخ محمد سرور زين العابدين (دراسات في السيرة النبوية) فندّ مزاعم أعداء الإسلام والسنة وأقوالهم الباطلة، بمن فيهم بروكلمان في كتابه (تاريخ الشعوب الإسلامية) الذي بنى أقواله على الظن والتخمين منطلقًا في كل ذلك من تعصبه الصليبي.
أليس من الواجب على هذا الدكتور المتخصص في الفكر السياسي الإسلامي، وقارئ التاريخ والسيرة النبوية و .. و .. أن يطلع على ما يكتبه العارفون بكل فن من أهله المتخصصون به، قبل أن يأخذ من أعدائه والحاقدين عليه؟.
ومهما يكن من أمر فنحن على ثقة بنصر الله لرسله ولجنده ولعباده الصالحين، وإن نتيجة المعارك بين السنة وخصومها ستكون بإذن الله هزيمة أعدائها، وفضح مقاصدهم ونواياهم الخبيثة، (( فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال ) ) [الرعد:17] .
وما يفعله أعداء السنة اليوم من العلمانيين ودعاة الانحلال الديني والخلقي لن تكون نتيجة بإذن الله إلا كما كانت النتيجة عند أسلافهم من أعدائها السنة، قال تعالى: (( كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون ) ) [التوبة:69] .
وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين
[بقلم: حكمت الحريري، رئيس قسم القرآن وعلومه، كلية التربية، جامعة إب / اليمن> عن مجلة السنة > العدد 100 و 102 > 1421 هـ]
[1] أبو محمد الحسن بن علي البربهاري العالم الزاهد ناصر السنة وقامع البدعة كان شديدًا على أهل البدع والمعاصي، وكان كبير القدر تعظمه الخاصة والعامة، توفي سنة 329 ه، له ترجمة في سير أعلام النبلاء، والبداية والنهاية.
[2] بشر بن الحارث المعروف ببشر الحافي الإمام المحدث الزاهد الرباني القدوة شيخ الإسلام، كان رأسًا في الورع والإخلاص ولد سنة 152 ه وتوفي سنة 227 ه.
[3] الرسالة، الفقرة [278] .
[4] أصول الحديث للدكتور محمد عجاج الخطيب، ص: 35 نقلًا عن"أعلام الموقعين".
[5] رواه أبو داود والترمذي وأحمد.
[6] صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب"الاقتداء بسنن رسول الله"، رقم: [7276] .
[7] رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، أبواب العلم, باب الأخذ بالسنة واجتناب البدعة.
[8] صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، رقم الحديث: [7288] .
[9] جامع بيان العلم لابن عبد البر، باب"موضع السنة من الكتاب وبيانها له" [2/ 383] .
[10] المصدر السابق: 2/ 190.
[11] مسند الإمام أحمد، تحقيق أحمد شاكر، رقم الحديث: [4355] .
[12] المصدر السابق، رقم الحديث: [5698] .
[13] جامع بيان العلم لابن عبد البر."باب الحض على لزوم السنة والاقتصار عليها" [2/ 187] .
[14] سنن أبي داود، كتاب العلم، رقم الحديث: [3646] .
[15] انظر: مقدمة في أصول التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص: 39.
[16] جامع بيان العلم لابن عبد البر: [2/ 191] .
[17] صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، ولقد آتينا لقمان الحكمة، رقم: [3429] .
[18] صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب"قول الله تعالى وكلوا واشربوا حتى يتبين .."رقم: [1916] .
[19] صحيح مسلم، كتاب الحيض، باب التيمم، رقم الحديث: [368] .
[20] صحيح مسلم، كتاب الحج، رقم الحديث: [1277] .
[21] تحفة الأحوذي: 7/ 355.
[22] أنظر: السنة ومكانتها في التشريع، للدكتور مصطفى السباعي، ص: 379، وأصول الحديث: د. محمد عجاج الخطيب، ص: 46.
[23] مسند أحمد، تحقيق أحمد شاكر، رقم الحديثك 737.
[24] مسند أحمد، تحقيق أحمد شاكر، رقم الحديث: 317.
[25] صحيح مسلم، كتاب الحج، رقم الحديث: 1270.
[26] مسند أحمد، تحقيق أحمد شاكر، رقم الحديث: 1996.
[27] المصدر السابق، رقم الحديث: 4870.
[28] مسند أحمد، تحقيق أحمد شاكر، رقم الحديث: 5683
[29] رد الإمام الدارمي على بشر المريسي، تحقيق محمد حامد الفقي، ص: 145.
[30] نزهة الفضلاء تهديب سير أعلام النبلاء: 1/ 584.
[31] المصدر السابق: 2/ 817.
[32] رفع الملام عن الأئمة الأعلام، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص: 37.
[33] جامع بيان العلم لابن عبد البر: 2/ 198.
[34] شرح السنة للبربهاري، الفقرة: 104.
[35] المصدر السابق، الفقرة: 143.
[36] رواه أبو داود، كتاب السنة، رقم: 4596، والترمذي: كتاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة
[37] مسند أحمد، تحقيق حمزة الزين، رقم الحديث: 16876، ورواه الطبراني، رقم: 885.
[38] شرح السنة، الفقرة: 69.
[39] أنظر السنة ومكانتها في التشريع، ص: 134، للشيخ مصطفى السباعي، والمعتزلة بين القديم والحديث، للشيخ محمد العبدة، ص: 91.
[40] رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح.