العلماء في هذا الباب: فقالت طائفة: الكذب الذي رخَّص فيه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في هذه الثلاث هو جميع معاني الكذب ...
وقالت طائفة: لا يصلح الكذب تعريضًا في جَدٍّ ولا لعب. روى سفيان عن الأعمش قال: ذكرتُ لإبراهيم الحديث الذي رُخِّص فيه الكذب في الإصلاح بين النّاس، فقال إبراهيم: كانوا لا يرخِّصون في الكذب في جدٍّ ولا هزل ...
وقال آخرون: بل الذي رُخِّص فيه هو المعاريض. وقد قال ابنُ عبّاس: ما أُحبُّ بأنَّ لي بمعاريض الكذب كذا وكذا. وهو قول سفيان وجمهور العلماء» [1] .
ومنها اختلافُهم فيما إذا خلا بيت المال من المال، وألَمَّت بالدّولة الملمَّات، فرأى بعضُهم توظيف أموالٍ على الأغنياء حتى تندفع حاجةُ الدّولة؛ لأنَّ ذلك أهون الشّرين. قال الشّاطبي: «إنّا إذا قرّرنا إمامًا مُطاعًا مفتقِرا إلى تكثير الجنود لسدِّ الثّغور وحماية الْمُلك المتَّسع الأقطار، وخلا بيتُ المال، وارتفعت حاجات الجند إلى ما لا يكفيهم، فللإمام، إذا كان عَدْلًا، أن يوظِّف على الأغنياء ما يراه كافيًا لهم في الحال، إلى أن يظهر مالٌ ببيت المال ... فإنّه لو لم يفعل الإمامُ ذلك النِّظام بطلت شوكةُ الإمام، وصارت ديارُنا عُرضةً لاستيلاء الكفَّار. وإنّما نظام ذلك كلِّه شوكةُ الإمام بعدله، فالذين يَحْذَرون من الدَّواهي [أي فرض الضرائب] لو انقطع عنهم الشّوكة، يستحقرون بالإضافة إليها أموالهم كلَّها، فضلًا عن اليسير منها. فإذا عُورض هذا الضّرر العظيم
(1) نقله عن الطبري ابن بطال في شرح صحيح البخاري: (8/ 82) .