الصفحة 67 من 126

ثم لا بدَّ للمسيرةِ من قيادةٍ ذات أهليَّةٍ وعلم ورسوخ في هذا المجال؛ إذ لا يُمكن أن يُبصر النور أعمى، أو أن يفهم الأمر جاهل، أو يدُلُّ على الطريق غريب. (فنحنُ بحاجةٍ إلى أُجَراء لا أُمراء) هذا ما فهمه أبو مسلم الخولاني رحمه الله حين سلَّم على معاوية - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - بالإجارة لا بالإمارة (فقال: السلام عليك أيها الأجيرُ فقالوا: قل السلام عليك أيها الأميرُ فقال: السلام عليك أيها الأجيرُ فقالوا قل أيها الأمير، فقال معاوية دعوا أبا مسلم فإنه أعلم بما يقول) [1]

وهذا ظاهرٌ فلا شكَّ أن الأجير لا يُستخدمُ إلاَّ إذا كان معروفًا عنه إجادة الرعاية والحماية والتَّصريف لما استُأجر له. والجهادُ من أعظم الأبواب التي يجِبُ أن لا يجترأ على التَّصدي لرأسِ المسئولية فيه إلا من عُرف عنه وعرفَ في نفسِه بصدق وتجرُّد أنَّه أجيرٌ بارعٌ مأمون، يعرفُ كيف يقود المسيرة بين حُجب السَّحاب وكثافةِ الضباب.

إذًا: هو ولاءُ العقيدةِ وولاءُ الطَّريق، وجهان لعملةٍ واحدة أصيلة غير مزيَّفة.

الوصية الثالثة عشر

لا تنسى أنك جندي

ذنبٌ في الحق خيرٌ من رأسٍ في الباطل

الجندية منقبةٌ ينالها الجندي في جماعة المُجاهدين، حيث أنَّ مَدْلُولهَا أعظمُ من منطوقِها؛ إذ تعني اتباع الحقِّ، والسمع والطَّاعة، والالتزامُ بالأوامرُ، والانضباط بالقوانين، والحرص على تحمُّل المسئوليات المُناطة.

ذلك كُلُّه مطلوب مِنك أيها الفارس أيًا كان مستواك، وأيًا كانت مسئوليتك، وأيًا كان موقعك؛ فالجنديةُ تكليفٌ لا تشريف، وكما قال حماد بن أبي سليمان (لأن أكون ذنبًا في الحقِّ أحبُ إليَّ من أكون رأسًا في الباطل) [2] فما دُمت ترومُ الأجر وتتطلَّع إلى الآخرة فما يضيرُكَ أن تكون في القيادةِ أو في السقايةِ أو في الحراسة؟ أليس من بشَّره النبيُّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- بطوبى أو دعى له بطوبى (لا يؤبه

(1) سير أعلام النبلاء 4/ 13

(2) سير أعلام النبلاء 10/ 151

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت