سر القدر في القرآن الكريم (3)
[5 مايو 2018 - 20 شعبان 1439]
قال تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ * وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَاذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) .
في هذا الخبر عن أبي الأنبياء عليه السلام، بيان خفاء جريان العطاء من النعم للخلق، وأن إبراهيم عليه السلام، وقد رأى اختصاص الإمامة بشرط عدم الظلم، ظن أن بقية ما هو من النعم المادية يجري على هذا المعنى من وجود شرط العدل، فقوّم الله ظنه بقول: ومن كفر، أي له من العطاء الدنيوي ونعيمها.
وهذا الوهم الجاري في الخلق اليوم، وفي كل زمن، من ربطهم بين غدق الدنيا ونعيمها، وبين رضا الله تعالى، هو ما يوقعهم في تعاقب المعاصي وعدم التوبة، مع أن القرآن يقرر أن الأصل في العطاء الدنيوي أن يجري غدقًا للعاصي، لولا ما في هذا من فتنة للناس، قلما يخرج منها أحد إلا القليل، لقوله تعالى: (وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَانِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ) .
وهذا من سر القدر الذي فيه معادلة غريبة: رحمة الله بالمؤمنين الضعفاء، وإغواء الله تعالى لطالبي الدنيا دون رجاء الدار الآخرة.