الصفحة 3 من 29

سر القدر في القرآن الكريم (1)

[3 مايو 2018 - 18 شعبان 1439]

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه:

من المقرر أن الله تعالى أظهر شرعه للخلق، وأبانه أحسن إبانة، فلم يترك قليلًا مما يحتاجونه من علمهم بما يحب الله تعالى أو يكره، وذلك لحاجتهم لهذا الشرع في كل أحوالهم، هذا مع تفاوت هذه الإبانة بحسب ما هو ضروري أو غير ضروري، فما اشتدت له الحاجة أبانه نصًا ظاهرًا لا خفاء فيه، بل عدد صيغ الخطاب له، وما ينزل عن مرتبة الضرورة جعل فيه بعض خفاء، فتنة للناس وابتلاءً لهم، لتعريف الناس بمقاماتهم في الفهم عن الله، ودرجة قربهم علمًا وذوقًا من الله تعالى، ولما كان ما يحيط بالمرء في الوجود شيئان، هما شرعه وقدره، فإنه سبحانه أبان عن قدره إبانة تشابه شرعه، وأقام في قدره من البلاء ما أقامه في شرعه منه، وبقي منه قدر اختص الله به دون خلقه ابتلاءً وامتحانًا، وهو جانب من الإخبار الإلهي لا ينفع معه إلا التسليم التام لتحقق العبودية، وكلما كان العبد أقرب للفهم على أقداره كان أكثر تسليمًا لشرعه وإدراك حكمته وعلله، فحق الأقدار مع العبد أن يسلم، ويتوكل، ويصدق، ويرضى، والقدر هو سر العبودية، إذ لا تستقيم العبودية في قلب العبد حتى يسلم في قلبه لفعل الله في حال العجز عن الفهم والإحاطة.

ومن تدبر حال الخلق مع القدر كما جاء في القرآن علم أن جانب البلاء فيه أعظم، وأن جانب التسليم فيه أوسع، فمهما بلغت درجة العابد من القرب مع الله فهو ممنوع من إدراك الكثير من الأقدار حال وقوعها، ولا يسعه معها إلا أن يدعو ويستغيث، ويرجو ويخاف، ويرقب مع إخبات وتقوى، ويقلب نظره في علامات هي إلى الخفاء أقرب لعله يستطلع ما سيكون، غير جازم إلا بكليات جريان السنن في الوجود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت