وهذا باب من التسليم تكرر ذكره في القرآن كثيرًا، وهو باب من فتنة الخلق قلما يلتفت له الناس، بل يعجزون عن تحمل الكثير من مقدماته، لأنها مع جانب الإيمان تكون المقدمات ألمًا وبلاءً وتعبًا، فكيف لهم ترقّب النعيم من خلال البلاء، وكيف لهم ترقب الفرج من خلال سدف الظلام!
الذروة
هذه الكلمة فيها الكثير من السر في هذا الباب.
تلك الذروة التي تجثم على القلب فتصرخ نفس صاحبه: متى هو؟!
ذروة تنسيه كل الوعود، مع ثقته بأنها الحق، فتصير: (إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) .
ذروة توقفه قائلًا: (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) .
ذروة توصل إلى التساؤل الذي يوجب الاستغفار والصدقة:"ألسنا على الحق! أو ليسوا على الباطل!"
هذه هي محطات المرء في سلوكه طريق الدعوة والجهاد، بل سلوكه دروب الحياة كلها، إن لم يحضر لها نفسًا أشربت حب الله والدار الآخرة سقطت في مضايق الطريق، فليس هناك من درجة تتجاوزها إلا وبعدها ما هو أعظم منها.
ومن تفكر في فتنة الأولياء، بل الأنبياء، بل الملائكة كما سيأتي، علم أن أعظم بلاء هو تسليمهم للقدر، وأن حالاتهم مع سره وخفائه هي العجز الذي يظهر فيه العبد ضعيفًا واقفًا على باب المن والكرم الإلهي.
مع القدر الخفي، يقول الرسول عن الرسول: (يرحم الله لوطًا، كان يأوي إلى ركن شديد) [صحيح البخاري] .