والقصة بعد هذا معلومة لكل مسلم، ولكن السر في هذا الباب قوله تعالى لهم: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) .
في الابتداء يحب ربنا سبحانه أن يعظّم، ومن تعظيمه الذي يليق بجلاله أن يختص بمدح لا يمدح به سواه، وأعظم المدح له أن يمدح نفسه (لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك) [صحيح مسلم] ومن المدح الخاص أن يقول العبد: إن الله يقول: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) .
وواجب هذا القول، وذلك حين العجز عن بلوغ مراد الله في الأقدار هو التسليم.
هكذا بدأت حكمة الله تعالى في تقدير خلق الإنسان، وذلك بسر لا يعلمه إلا الله، ويعجز أعظم العالمين به وهم الملائكة إدراك سر هذا التقدير، فوجب حينها التسليم.
قوله تعالى (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) يعني أن هذا المخلوق يحقق في وجوده غير ما تقولون من إفساده وظلمه، بل يحقق معانٍ أخرى يحبها الله، والله جل في علاه لأنه الأعلم بنفسه، لا يجري الوجود إلا على معنى ما يحقق حبه ورضاه، ويحقق صفاته وأسماءه.
الله غفور
هذا يعني وجود عبد يذنب، فيستغفر، فيغفر الله له.
والملائكة لا يحققون هذا الاسم الذي يحبه الله.
العبد حين يذنب يغضب الله، ولكن حين يستغفر يفرح الله فرحًا لا يتحقق من فرحه من تسبيح الملائكة الذي لا ينقطع، فهذا رضىً آخر، وفرح آخر.
فسر القدر مستور في أمرين: أن يمدح الرب بأنه يعلم ما لا يعلمه أحد، وهذا يوجب التسليم، والتسليم يفرح الرب فرحًا يليق بكبريائه، ويليق بعزته، فالمتكبر والعزيز يفرحه بأن يكون الواحد الأحد.