الصفحة 8 من 35

ولما كان العلماء ورثة الأنبياء [1] ، كان الجهاد في سبيل الله أوجب عليهم من غيرهم وآكد في حقهم، وكلما كان العالم أقرب للجهاد كان أقرب لدرجة النبوة من غيره، وكلما بَعُدَ كان أبعد!.

وشيخنا/ عبد الرزاق المهدي من علماء الأمة المعاصرين الذين رزقهم الله علمًا وعملًا وجهادًا، وهو من أهل العلم المختصين بالحديث، نشأ في بلاد الشام، وعمل كثيرًا بالتحقيق والتخريج لكتب السلف في العديد من الفنون، وقد عرفت الشيخ قديمًا من تحقيقاته دون أن ألتقي به، حتى منَّ الله عليَّ بالنفير لبلاد الشام، وهنا تشرفت بالتعرف على الشيخ ومخالطته عن قرب، فوجدت فيه هدي العلماء وسمتهم وتواضعهم.

ومما أذكره من خلق الشيخ وتواضعه أنه جاءه أحد الشباب يومًا يستفتيه في مسألة، وكنت حاضرًا، فقال لي الشيخ: انتبه معي، لعلك تساعدني في هذه الفتوى!، فابتسمت وقلت في نفسي: ومن أنا حتى أساعدك في الفتوى يا شيخنا!، ومما أذكره أيضًا من تواضع شيخنا حفظه الله أنه جاءه أخ يومًا ليسأله في مسالة، وكان أحد الإخوة من طلبة العلم حاضرًا، فاستمع شيخنا للسؤال منصتًا حتى انتهى السائل، ثم التفت للأخ طالب العلم بجانبه، وقال له: تفضل بالإجابة يا شيخ!، ومن تواضعه أيضًا أنه لا يخاطبني إلا بلقب الشيخ، رغم أنه هو شيخي!، ومن تواضعه كذلك أنه حين راجع صياغتي للترجمة ألح علي كثيرًا في حذف عبارات المدح والثناء، فاعتذرت له بأنه لا يُقبل أن يُترجم الطالب لشيخه دون أن يمدحه بما رآه فيه، وهذه طريقة السلف.

وكذلك مما أذكره للشيخ أننا كنا يومًا في مجلس، وأثار بعض الإخوة مسألة في إحدى نوازل الساحة، وبدأوا يطرحون على الشيخ بعض الأسئلة حولها، فكان جواب الشيخ لهم: راسلوا العلماء بالخارج واسألوهم!، فقلت: سبحان الله، الشيخ يغمط نفسه ويتجاهل حقه، ويحيل المسألة إلى العلماء ولا يعتبر نفسه واحدًا منهم!، والله إن هذا هو التواضع بعينه!، وشيخنا بهذا الموقف يذكرني بما رواه ابن شهاب الزهري عن خالد بن أسلم -وهو أخو زيد بن أسلم- قال: (خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ

(1) [العلماء ورثة الأنبياء] ، جزء من حديث أخرجه أبي داود في سننه، برقم (3641) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت