ويقول في موطن آخر: «مبدأ كل علم نظري وعمل اختياري هو الخواطر والأفكار؛ فإنها توجب التصوُّرات، والتصوُّرات تدعو إلى الإرادات، والإرادات تقتضي وقوع الفعل، وكثرةُ تكراره تعطي العادة. فصلاحُ هذه المراتب بصلاح الخواطر والأفكار، وفسادُها بفسادها. فصلاح الخواطر بأن تكون مراقبة لوليِّها وإلهها صاعدة إليه، دائرةً على مرضاته ومَحابِّه؛ فإنه _سبحانه_ به كلُّ صلاح، ومن عندِه كل هدى، ومن توفيقه كل رشد، ومن تولِّيه لعبده كل حفظ، ومن تولِّيه وإعراضه عنه كل ضلال وشقاء. فيظفر العبد بكل خير وهدى ورشد بقدر إثبات عين فكرته في آلائه ونِعَمه وتوحيده، وطرق معرفته، وطرق عبوديته، وإنزاله إياه حاضرًا معه، مشاهدًا له، ناظرًا إليه، رقيبًا عليه، مُطَّلعًا على خواطره وإرادته وهمِّه. فحينئذٍ يستحيي منه، ويجلُّه أن يُطْلِعَه منه على عورة يكره أن يَطّلِعَ عليها مخلوق مثله، أو يرى في نفسه خاطرًا يمقته عليه. واعلم أن الخطرات والوساوس تؤدِّي متعلقاتها إلى الفكر، فيأخذها الفكر فيؤدِّيها إلى التذكر، فيأخذها الذكر فيؤدِّيها إلى الإرادة، فتأخذها الإرادة فتؤدِّيها إلى الجوارح والعمل، فتستحكم فتصير عادة، فرَدُّها من مبادئها أسهل من قطعها بعد قوَّتها وتمامها ... ومن المعلوم أن إصلاح الخواطر أسهل من إصلاح الأفكار، وإصلاح الأفكار أسهل من إصلاح الإرادات، وإصلاح الإرادات أسهل من تدارك فساد العمل، وتداركه أسهل من قطع العوائد. فأنفع الدواء أن تشغل نفسك بالفكر فيما يعنيك دون ما لا يعنيك؛ فالفكر فيما لا يعني باب كل شر، ومَن فكَّرَ فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه، واشتغل عن أنفع الأشياء له بما لا منفعة له فيه، فالفكر والخواطر، والإرادة والهمَّة أحق شيء بإصلاحه من نفسك، فإن هذه خاصتك وحقيقتك التي تبتعد بها أو تقرب من إلهك ومعبودك الذي لا سعادة لك إلا في قربه ورضاه عنك، وكلُّ الشقاء في بُعدك عنه وسخطه عليك. ومَن كان في خواطره ومجالات فكره دنيئًا خسيسًا لم يكن في سائر أمره إلا كذلك ... وجماع