وُجِدْتَ إِذا اصْطَلَحُوا خَيْرَهُمْ ... وَزَنْدُكَ أَثْقَبُ أَزْنَادِهَا
فَجَمَعَ لفظ (زَنْد) على (أَزْنادِ) ، والعَرَبُ تجمع ما جَاء على (فَعْل) من الأسماء الثلاثيّة الصّحيحةِ العَيْن السّاكنةِ جَمْعَ قِلَّةٍ على (أَفْعُل) ، قالَ سيبويه: «أمّا ما كان على ثلاثةِ أحرفٍ وكان (فَعْلًا) فإِنَّكَ إِذا ثَلَّثْتَهُ إِلى أَنْ تُعَشِّرَهُ فإِنَّ تكسيرَهُ (أَفْعُل) ... فإِذا جاوز العَدَدُ هذا فإِنَّ البناءَ قد يجيءُ: على (فِعَال) وعلى (فُعُول) ... وَرُبَّمَا جاء (فَعِيلًا) وهو قليل ... وَاعلَمْ أنَّهُ قد يجيءُ في (فَعْل) : (أَفعالٌ) مكان (أَفْعُل) ، قال الشاعرُ: [وأنشد بيتَ الأعشى] وليس ذلكَ بالباب في كلام العرب» [1] . وأنشدَهُ المُبَرِّدُ [2] شاهدًا على ماجاءَ في جمع (فَعْل) غَيْرَ مُعْتَلٍّ على (أَفْعَال) مُشَبَّهًا بِغَيْرِهِ خارجًا عَنْ بَابِه.
ومثلُ ذلكَ أنَّهُ جَمَعَ لفظ (أَنْف) على (آناف) فقالَ [3] :
إِذا رَوَّحَ الرَّاعي اللِّقاحَ مُعَزِّبًا ... وَأَمْسَتْ على آنافِهَا عَبَرَاتُهَا
أنشدَهُ سيبويه [4] نظيرًا لـ (أزناد) في شذوذ جمعها على وزن (أَفْعال) ، وكان حقُّ (أَنْف) أَنْ يَجْمَعَهُ جَمْعَ كثرةٍ على (فُعُول) .
ومن هذا أنّه جَمَعَ لفظَ المصدرِ (فَعْل) جَمْعَ تكسيرٍ على (فَوَاعِل) ، حَمْلًا له على ما يُكَسَّرُ عليه (فَاعِل) ؛ قال ـ وقد جَمَعَ لفظَ (سَيْل) على (سَوَائِل) [5] :
فَلَيْتَكَ حَالَ البَحْرُ دُونَكَ كُلُّهُ ... وَكُنْتَ لَقىً تَجْرِي عَلَيْهِ السَّوَائِلُ
أي السُّيول؛ وعلَّلَ ابنُ جنّي ذلك بقوَّة شَبَهِ المصدر باسم الفاعل، فقال: «وَيَدُلُّك على قُوَّةِ شبه المصدر بالصِّفَةِ [يريدُ: باسمِ الفاعل] وقوعُ كلِّ واحدٍ منهما مَوْقِعَ صاحبه، وذلك نحوَ قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا} [الملك 67/ 30] أي غائرًا ... وقولهم: قُمْ قائمًا؛ أي قيامًا، وعليه أيضًا كَسَّروا المصدرَ وهو (فَعْل) على ما يُكَسَّرُ عليه (الفاعل) في الوصف، وهو (فَوَاعل) ، أَنْشَدَنَا أبو عليّ:
وَإِنَّكَ يَا عَامِ ابْنَ فارسِ قُرْزُلٍ ... مُعيدٌ على قِيلِ الخَنَا وَالهَوَاجِر
يريدُ جمعَ (هُجْر) ، فكأنّه كَسّر (هاجرًا) على (هواجر) ، وأنشدنا أيضًا
فَلَيْتَكَ حالَ البَحْرُ دونَكَ كُلُّهُ ... وكنتَ لقىً تَجْري عَلَيْكَ السَّوائِلُ
(1) كتاب سيبويه (2: 567 ـ 568) (باب تكسير الواحد للجمع) .
(2) المقتضب (2: 195 ـ 196) .
(3) كتاب سيبويه (3: 568) ، وهو في الديوان (137) ؛ والرواية فيه:
إذا روَّحَ الرَاعي اللِّقاحَ مَعَجِّلًا ... وأَمْسَتْ على آفاقِهَا غَبَراتُهَا
وهو تحريف؛ وإلاّ فقد ردّ الضمير في قوله: (آفاقها) على محذوفٍ مفهوم من السياق وهو الأرض؛ أي: تثيرُ اللّقاح الغبارَ في الآفاق بسبب القحط. اللّقاح: الإبل ذوات اللَّبَن. والمعزّب: الذي يُعْزَبُ بماشيته عن الناس في المرعى.
(4) كتاب سيبويه (3: 568) .
(5) الديوان (233) ؛ ورواية سيبويه « .... تجرى عليك ... » .