الصفحة 2 من 14

مُكتفيًا بتتبُّعِ مظاهر مخالفةِ القياس وعرضِها على القارئ، وإن كنت قد حرصت على نقل ما ذهب إليه العلماء مِن (تعليل) لبعض الظَّواهر، مَعَ العلم أنَّ كثيرًا ممَّا عرضتُه يدخُلُ في الدّراسات الأسلوبية أو يُفيدُها.

على أنّ مخالفتَه الأعشى للقياس ليست مطّردةَ في شعره، فإنَّ معظمه جاءَ موافقًا للقواعد الناظمة للعربية، وجاءَت مخالفةُ القياس في أبياتٍ قليلةٍ إذا ما قُورِنَتْ بسائر شعره وهو غزير كثير.

و (الأعشى) لقبٌ لميمون بن قيس البكريّ، لُقّب به لعلّة في عينيه، وهو شاعر مشهور من شعراء الجاهليّة، يُعَدّ في الطبقة الأولى من فحولها البارزين، ولَهُ ديوان مطبوع قدّمَ له محقّقه الدكتور محمّد محمّد حسين ـ رحمه الله ـ بمقدّمة مستفيضة تناوَلَ فيها عصرَه وحياتَهُ وفنَّه، تُغنِي مَنْ شاءَ معرفةَ ذلكَ.

ولاشكَّ في أنَّ وراءَ مخالفةِ القياس عند الأعشى أسبابًا عدَّة، ولكنْ لعلَّ أهمَّها ـ في نظري ـ هو السَّبب النفسيّ، فهو شاعرٌ قلقٌ مضطربٌ لاهثٌ وراءَ ثلاثِ شَهَواتٍ تتحكَّم فيه: المرأة والخمر والمال، وكانت وراءَ تعهُّرِه في حياتِهِ وشعرِه، وكثرةِ وصفه للخمر ومعاقرتها، وتكسُّبِه بشعره وتبذيره؛ وهذا كلُّه يجعله أقلَّ حرصًا على إحكام شعرِه مِن سائرِ شعراءِ طبقته، وإن كانَ فيهم مَنْ يُشبِهُهُ في بعض جوانبِه النفسية؛ ولكن ليس هذا موضعَ دراسةِ الشاعر نفسّيًا وأثر تركيبه النّفسيّ في شعره، وعسى أن يتولّى ذلك أحد الباحثين.

يتميز شعرُ الأعشى بغزارته إذا ما وُوزِنَ بشعر غيره من شعراء الجاهليّة، فقد بلغَ عددُ أبيات ديوانه (2320) عشرينَ وثلاثَ مئةٍ وألفَيْ بيت من الشّعر، وقدّم الأعشى مَنْ قدّمه على شعراء الجاهليّة لأَنَّه «كان أكثرَهُم عَروضًا، وأذهبَهُمْ في فنون الشّعر، وأكثرَهُمْ طويلةً جيّدَةً، وأكثرَهُمْ مدحًا وهجاءً وفخرًا ووصفًا، كلُّ ذلكَ عندَه. وكان أوّلَ مَنْ سأل بشعره» [1] ولعلّ غزارةَ شعرِه جاءت من أنّه تَخِذَ الشّعر متجرًا ووسيلةً لِكَسْبِ الرّزقِ، فكان شعرُهُ صَنعتَهُ.

وهذه الغزارة في شعره تجعله إِذا ما وقع على معنىً، ولم تُسْعِفْهُ اللُّغةُ على تركيبه بألفاظ تنقله إلى من يَسْمَعُهُ في سياق الوزن الذي اختاره = تجعله يتصرّف في ألفاظ اللّغة أو في تراكيبها المعروفة، حتى يذلِّلَها للمعنى الذي يريد، فيخالف بذلك الأصْلَ والقياس الذي كان ينبغي أن يأتي عليه الكلام.

ومخالفة القياس في شعر الأعشى متعدِّدَة الوجوه، كثيرةُ الشَّواهدِ، يستطيع المرءُ أنْ يُعيدَها إِلى ثلاثة فروعٍ رئيسية، وهي: مخالفة القياس اللُّغويّ، ويُقْصَدُ بها أعيانُ الألفاظِ وما فيها من مُخالفةٍ لما تجري عليه ألفاظُ العربيّةِ؛ ومُخَالَفَةُ القياسِ النَّحْوِيّ، ويُقْصَدُ بهِا تركيبُ الجملةِ في عوامِلِها ومعمولاتها، واتّصال بعضِ أجَزائها ببعضٍ، وما في ذلكَ من مُخَالَفَة العربيَّة؛ ومخالفةُ القياس العَروضيّ، وهو ما يُسَمَّى بِعُيُوبِ الشِّعْر؛ ويستطيع المرءُ أيضًا أَنْ يُحَدِّدَ لكلِّ فرعٍ تَشَعُّباتٍ كثيرةً، وبهذه الفروعِ الثلاثةِ وتشعُّباتها تَتَّضِحُ ظاهرةُ مخالفةِ القياسِ في شعرِ الأعشى، وسأخصص هذا المقال لمخالفة القياس النحويّ، وأُتبعه مقالين في فرعَي مخالفة القياس الآخرين، إن شاء اللّه.

(1) طبقات فحول الشعراء (65) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت