تَرِدُ مخالفةُ القياسِ اللغويِّ في شعرِ الأعشى على وجوهٍ عدّةٍ؛ فَثَمَّةَ أبنيةٌ لم تَرِدْ في أبنيةِ اللُّغَةِ المعروفة عند علماء اللغة، أو لم تُسْمَعْ مِنَ العربِ، جُموعًا ومصادرَ وأسماءً؛ وثمّةَ إِبدالُ ما لم تُبْدِلْهُ العَرَبُ، وتَرْكُ إِعلالِ ما تُعِلُّه، وتَرْكُ حَذْفِ ما حَقُّهُ الحَذْفَ، وحَذْفُ ما حقُّهُ الإثباتُ وهو كثير، ومَدُّ المقصورِ، وقصرُ الممدودِ، وتحريكُ السَّكنِ، وتسكينُ المُتَحِّركِ.
فمنَ الأبنية الَّتي وَرَدَتْ في شعرِ الأعشى، ولم يَرِد مثيلٌ لها في اللُّغةِ وزن (فَيْعُل) ، إذ قالَ [1] :
وَمَا أَيْبُلِيٌّ عَلَى هَيْكَلٍ ... بَنَاهُ وَصَلَّبَ فِيهِ وَصَارَا
فقولُهُ (أَيْبُلِيٌّ) هَوَ (فَيْعُلِيٌّ) ، قال سيبويه: «إِنَّ مِثالَ فَيْعُل لَمْ يأتِ في الكَلاَم» [2] ولم يَقُلْ سيبويه ذلكَ لأنّه لم يقف على قولِ الأعشى، ولكنه كان -كما قال ابن جنّي ـ «إِذا تحجَّر شيئًا منَ اللّغة وخرج عنه الحرفُ أوِ الحرفان لم يستثنِ بما خَرَج عنِ الجمهور لِقِلَّتِهِ» [3] .
وذهبوا في اشتقاقه مذهبَيْن؛ الأَوَّلُ: أنّه عربيٌّ مُشْتَقٌّ مِنْ أَبَلَ بالمَكَانِ إِذا أقَامَ بِهِ، أو من أَبَلَتِ الإِبِلُ بالرُّطَبِ عن الماءِ، أي أقامت عليه واجتزأت به عن الماء؛ فذكَرَ الأعشى أنَ هذا الرّاهب اجتزأ بما في الهَيْكل وأقام عليه ولم يتعدَّهُ إِلى غيره [4] ؛ والثاني أنه من تسميةِ النَّصارى للمسيح عليه السّلام: (أَبِيل الأبيلين) ، واستشهدوا على ذلك بقول عمرو بن عبد الجِنّ التّنوخيّ [5] :
وَمَا سَبَّحَ الرُّهْبَانُ فِي كُلِّ بيِعَةٍ ... أَبِيلَ الأَبِيلينَ المَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَا
وقال أبو عليٍّ الفارسيّ: «قال أبو عبيدة: أَبْيُلِيّ: صاحب أَبِيل، وهو عصا الناقوس، وقال آخر جاهليّ: [وأنشد بيتَ عمرو، وقال:] فظاهرُ هذا يَدُلُّ على أنه يعني بالأَبِيل ما يُعنى بـ (أَيْبُليّ) ... » [6] ، وعلّل مَجِيءَ هذا الوزن في شعر الأعشى بأنّه يجيْءُ مَعَ ياءَيِ النِّسبةِ مالا يأتي مع غيرهما، وإِن لم يأتِ (فَيْعُلَ) بلا ياءَي النّسبة. وقال ابن جنّي في قولهم: (لصٌّ بَيِّنُ اللَّصُوصيَّةِ) ، و (حُرٌّ بيِّنُ الحَرُوريَّة) : إِنْ شئتَ جَعَلْتَهُ صفةً لمصدر محذوف، والتّقديرُ: لِصٌّ بَيِّنُ اللَّصَّةِ اللَّصُوصيَّةِ، وحُرُّ بيِّنُ الحُرِّيَّةِ الحَروريَّةِ: «وإِن شئتَ قلتَ غيرَ هذا، وذلك أنَّ مالا يجيءْ من الأمثلة بنفسه قد يجيْء إِذا اتَّصَلَت ياءُ الإِضافة بهِ، وذلك كقول الأعشى: (البيت) فأَيْبَليٌّ كما ترى (فَيْعُليٌّ) ولولا ياءُ الإضافة لم يَجُزْ ذلك، ألا ترى أنّه لم يأت عنهم (فَيْعُل) ؟ ... فكذلك جاز لَصُوصيّة وحَروريّة» [7] .
أمّا رِوايةُ أَبِي عُبَيْدَةَ للبيت فهي [8] :
«وما آبُلِيٌّ على هَيْكَلٍ ... » وهي على إِبدالِ الألف من الياء، كما أُبْدِلَتْ منها في (طائي) .
(1) ديوان الأعشى الكبير (103) .
(2) المنصف لكتاب التصريف (1: 163) .
(3) المصدر نفسه (1: 163) .
(4) المصدر نفسه (1: 163) .
(5) عمرو بن عبد الجنّ: شاعر جاهليّ قديم، خَلَفَ على مُلك جَذيمة الأبرش بعدَ قتله، فنازعه ابن أخت جذيمة: عمرو بن عديّ اللخميّ، وغَلَبه على الأمر، وكان الملك في الحيرة لأبنائه من بعده؛ معجم الشعراء:18، والشعر فيه.
(6) المسائل الحلبيّة (368 ـ 370) .
(7) المحتسب (1: 63 ـ 64) . وفي مقاييس اللغة (1: 42 ـ أبل) : «قال الخليل: الأَبيلُ من رؤوس النصارى، وهو الأبيليّ؛ قال الأعشى (البيت) قال: يُريدُ أبيليّ؛ فلما اضطُرَّ قدّم الياء، كما يقال: أينُق، والأصل أَنْوُقٌ» .
(8) المسائل الحلبيّة (370) .