وممّا جاء في شعر الأعشى ولم يَرِدْ عن العرب أنَّهُ جَاء في شعره (يَقَنٌ) مَصْدرًا لـ (أَيْقَنَ) ، وجعل القَزَّازُ القَيْروانِيُّ هذا مِنْ ضَرَائِرِ الشِّعْرِ؛ قال: «ومِمَّا يَجُوزُ لِلشَّاعِرِ: أنْ يُجْرِيَ المَصْدَرَ على غيرِ المَصْدَرِ القياسيّ ... حكى قومٌ أَنَّ مصدرَ (أَفْعَلَ) جاء على (فَعَل) ، وأنشدوا للأعشى [1] :
وَمَا بِالَّذِي أَبْصَرَتْهُ العُيُو ... نُ مِنْ قَطْعِ يَأْسٍ وَلاَ مِنْ يَقَنْ
وَإِنَّمَا يُقَالُ: أَيْقَنَ إِيقانًا وَيَقِينًا [2] »، ولكنَّ صاحب القاموس ذكر مصدرَ الثلاثيّ (يَقِنَ) كَفَرِحَ، فقال: «يَقْنًا، وَيُحَرَّكُ» [3] ، فإِذا كان الأعشى بَنَاهُ على الثُّلاثِّي فَلَيْسَ فيه مُخَالَفَةٌ للقياسِ.
وَمِنْ هذا أنه جاء بـ (خُذُول) مصدرًا لِ (خَذَلَ) ، فقال [4] :
مَتَى أَدْعُ مِنْهُمْ نَاصِرِي يَأْتِ مِنْهُمُ ... كَرَادِيسُ مَأْمُونٌ عَلَيَّ خُذُولُهَا
يُريدُ أَنَّهَا لا تخذلهُ، و (خُذُول) مصدرٌ لم يَرْدِ في المعجمات، وَإِنَّما وَرَدَ قولُهُمْ: خَذَلَهُ خَذْلًا وخِذْلانًا [5] .
وَمِمَّا وَرَدَ في ديوانِهِ ولم يَرِدْ في المعجمات قولُهُ [6] :
وَفِتْيَانِ صِدْقٍ لاَ ضَغَائِنَ بَيْنَهُمْ ... وَقَدْ جَعَلُوني فَيْسَحاهًا مُكَرَّما
جَاءَ فِي شَرْحِهِ: «فَيْسَحاهٌ: لَمْ أعثر لَهَا على أصلٍ، وفي المعاجم: وهو يمشي الفيسحى، أَيْ يُبَاعِدُ في خطوه» ، والفَيْسَحُ كالفيسحى: مُبَاعَدَة ُالخطو [7] .
ووردت في ديوانه ألفاظٌ لم يُعْرَفْ لها معنىً على وجهِ الدّقّة، مثل لفظ (شاحِرْد) في قوله [8] :
وَمَا كُنْتُ شاحِرْدًا ولكنْ حَسِبْتُنِي ... إِذا مِسْحَلٌ سَدَّى لِيَ القَوْلَ أَنْطِقُ
قال في شرحه: «قالوا إن معناه متعلّم» ، ولم أجد له مادّة في القاموس.
ومثلها اللَّفظتَان (السَّكّيّ) و (فَيْتَق) في قوله [9] :
ولا بُدَّ من جارٍ يُجِيزُ سبيلَهَا ... كما جَوَّزَ السَّكِّيَّ في الباب فَيْتَقُ
قال الشارح: «السَّكّيّ: ذكروا فيه معانيَ كثيرة، فقالوا: إنه المسمار أو الدينار أو البريد. والفيتق قالوا إِنّه النَّجَّار أو البواب أو الملك، وسُئلَ الأصمعيُّ عنِ الكلمتين فلم يعرِفْهُمَا» .
ونجد الأعشى إِذا جمع بعضَ المفرداتِ جَمْعَ تكسيرٍ خالَفَ القِياسَ في ذلك؛ كقوله [10] :
(1) الديوان (73) .
(2) ضرائر الشعر للقزّاز (170 ـ 172) .
(3) القاموس: (يقن) .
(4) الديوان (225) . والكراديس: جمع كُردوسة، وهي القطعة العظيمة مِنَ الخيل.
(5) القاموس (خذل) .
(6) الديوان (343) .
(7) القاموس: (فسح) .
(8) الديوان (271) . ومِسْحَل: اسم شيطان الشّعر الذي كان الأعشى يزعم أنَّه يُمِدُّهُ بالشّعر. وسَدَّى لَهُ القَوْل َ: أي نَسَجَهُ لَهُ وهيَّأه.
(9) الديوان (173) .
(10) الديوان (123) . والزَّنْدُ: أحدُ الزَّنْدَين، وهو العُود الأعلى الذي تُقتَدَحُ به النار؛ وثَقَبَ الزَّنْدُ: خرَجَتْ نارُه.