الرحى، ومن ليس له حظ غيره ولا معاش سواه. وعويص النحو (1) لا يجري في المعاملات ولا يضطر إليه شيء (2) . وشبيه بقول الجاحظ قول أبي محمد ابن حزم الأندلسي في النصف الأول من القرن الخامس، في رسالته مراتب العلوم:"يقتضي من علم النحو كل ما يتصرف في مخاطبات الناس وكتبهم المؤلفة ( ... ) وأقل ما يجزئ من النحو كتاب الواضح للزبيدي أو ما نحا نحوه كالموجز لأبن السراج وما أشبه هذه الأوضاع الحقيقية. وأما التعمق في علم النحو ففضول لا منفعة بها بل هي مشغلة عن الأوكد ومقطعة دون الأوجب والأهم، وإنما هي تكاذيب فما وجه الشغل بما هذه صفته. وأما الغرض من هذا العلم فهو المخاطبة، وما بالمرء حاجة إليه في قراءة الكتب المجموعة في العلوم فقط. فمن يزيد في هذا العلم إلى أحكام كتاب سيبويه فحسن، إلا أن الاشتغال بغير هذا أولى وأفضل، لأنه لا منفعة للتزيد على المقدار الذي ذكرنا إلا لمن أراد أن يجعله معاشا (3) . ويلاحظ اتفاق الجاحظ وابن حزم على أن معرفة العويص من علم النحو لا تفيد إلا من أراد أن يجعل منه اختصاصا يكتسب منه معاشه. وأما اكتساب السليم من القول والكتابة وفهم ما يقال وما يكتب فلا يحوج منه إلا إلى اليسير الذي توفره المختصرات النحوية."
ويمكن أن تُدْرَجَ تأليف هذه المختصرات أيضا ضمن مترع القدماء إلى تيسير تعليم النحو، ومن أمثلتها - إضافة إلى"الواضح"و"الموجز"اللذين ذكرهما ابن حزم - كتاب الجمل لأبي القاسم الزجاجي (ت.337 هـ /949 م) و"المقدمة الآجرومية"لأبي عبد الله ابن آجروم (ت.723 هـ/1323 م) و"قطر الندى وبل الصدى"لجمال الدين ابن هشام (ت.761 هـ/1360) ، وعلى تلاثتها شروح وحَوَاس كثيرة دالة على ما حظيت به من مترلة في التعليم (4) .