وما يزرعه الانسان فيها يحصده، وعلى الانسان ان يحسن الانتفاع من الحياة بصالح الاعمال، لان الحياة فانية لايبقى منها سوى العمل الذي خلفه الانسان حمدا او ذما، وهو مقياس التفاضل بين الناس، فيقول: (15)
ان الحياة مزارع ... فأزرع بها ما شئت تحصد
والناس لايبقى سوى ... اثارهم والعين تفقد
او ما سمعت بمن مضى ... هذا يذم وذاك يحمد
وقد كان لطبيعة الشاعر المتشائمة المحاطة بسوء الظن الناظرة الى الحياة من طرف الموت والاخرة، جعلته يرى الحياة خالية من كل خير تنتقل من سئ الى اسوأ لم يبق فيها الا اهل اللؤم والبخل، فهي خالية من أهل الخير والصلاح والكرماء من الناس، وان من فيها كلاب: (16)
وايام خلت من كل خير ... ودنيا قد توزعها الكلاب
كلاب لو سألتهم ترابا ... لقالوا: عندناانقطع التراب!
ولا يغنى فيها الا لئام الناس: (17)
أرى كل فدم قد تبجح في الغنى ... وذو الظرف لا تلقاه غير عديم
وبفلسفة مبسطة مستمدة من واقع الحياة وطبيعتها يرى الشاعر احمد بن فرج الجياني (ت 366 هـ) ان الحياة متقلبة لاتدوم على حال واحدة، فهي كاليوم البهيج المشرق الذي يعقبه الغروب ليعجل بانقضائه، والانسان فيها يقضي نحبه وهو مايزال في عنفوان شبابه ويتمتع بكامل قوته كالغصن الريان الذي اقتلعته الريح وألقت به نضيرا لم ينله الذبول: (18)
فلله عينا راه وقد قضى ... فأغمض منه الطرف وهو كليل
كالغصن الريان ألوت به الصبا ... فخر نضيرا لم ينله ذبول
وكالشمس راقت بالضحى اعين الورى ... فأعجلها بعد الغروب اصيل
وقد بدا احساس الشاعر ابن شهيد (ت 426) بقصر الحياة فهو يرى ان حياته قد انتهت كلمح البصر، فقد جعلته علته التي اصابته في نهاية حياته واقعدته عن الحركة وتسببت في موته فيما بعد، ان يشعر بخيبة الامل للعمر الذي انقضى