وصدقها، قد توفر فيها العمق والأصالة وسعة الرؤية الذاتية او معاناته اليومية كحصيلة لمعايشة الشاعر وتجاربه (5) ، لان خير الشعر كما يذهب القرطاجني (684 هـ) هو (( ما صدر عن فكر ولع بالفن والغرض الذي القول فيه مرتاح للجهة والمنحى الذي وجه إليه كلامه ... ) ) (6) فالمعاناة الحقيقية أو الممارسة الفعلية للتجربة الشعرية لها اثرها الكبيرفي عمق التجربة واصالتها، لذا عدها بعض النقاد أصل كل نتاج ادبي فيقول: (( ان اصل كل تأليف أدبي هو تجربة مارسها المؤلف ) ) (7) وان كان هناك من النقاد يرى انه ليس من الضروري (( ان يكون الشاعر قد يعاني التجربة بنفسه حتى يصفها بل يكفي ان يكون قد لاحظها، وعرف بفكره عناصرها، وامن بها، ودبت في نفسه حمياها ) ) (8) ومما لاشك فيه ان مثل هذا الراي اكثر ما يصدق على بعض الموضوعات والاغراض الشعرية مثل المديح والوصف، اما فيما يخص موضوع دراستنا فلا بد من توفر التجربة الحياتية والمعاناة الحقيقية ليتسنى للشاعر ان يعبر عن فلسفته تجاه ما اصابه وما يعانيه، وما تعلمه من ذلك، فهناك فرق كبير بين شاعر اكتوى بالالم من غدر الزمان والناس، وتقلب احوال الدنيا، وصعوبة العيش، او عانى الام السجن او ذل الاسر واخر لم يعان ذلك كله، وقديما قال ارسطو: (( والحق ان اقدر الناس تعبيرا عن الشقاء من كان الشقاء نفسه ) ) (9) فالمعاناة الحقيقية توثق الصلة بين الشاعر وموضوعه وتجعلها اكثر عمقا وتفاعلا وينعكس ذلك بوضوح على نتاجه الشعري الذي سنقراه اذ اننا سنشهد - بدون شك- ولادة عمل جيد نشعر به ونتفاعل معه وكأنه يهمنا ويمثل بعض جوانب حياتنا وافكارنا.
مثلما احب اهل الاندلس الدنيا وتعلقوا بها أحبوا الحياة وعاشوا كل تفاصيلها ومارسوا مفرداتها بكل نشاط وحيوية وسعوا جاهدين بكل ما يمتلكون من طاقة ومعرفة الى المحافظة عليها بالشكل الذي يتمنونه ويرضونه فتمسكوا بها واقبلوا عليها بنهم وظمأ محاولين الاستمتاع بلذائذها، فبدأ الاندلسي اكثر شغفا وتعلقا بالحياة لان بلاده تميزت بانتشار وسائل اللهو والمتعة كمجالس الغناء والرقص والخمر، ومجالس الادب.