الصفحة 2 من 41

حيث الوسيلة والطريقة إلا انه يتفق من حيث الغاية المعرفية وهي البحث عن الحقيقة. فالفيلسوف -مثلا- جعل العقل نبراسا يهتدي به وسلاحا يعتمد عليه في عملية الكشف عن جوهر الاشياء (1) . أما الصوفي فقد جعل من القلب إماما يهديه الى أسرار الحياة، ووسيلته في إدراك الحقيقة، لأنه يرى ان العقل عاجز عن تفسير قضايا الحياة والكون (2) ، أما الشاعر فقد اعتمد الحدس والتخييل في تأملاته والانغماس والتفاعل مع موضوعه.

وما دام الشاعر كائنا اجتماعيا وروابطه مع الاخرين ويعيش الحياة وتناقضاتها ويعاني متاعبها ويتوجع بألامها ويفجع بمصائبها. وما دام هناك موت وفناء بعد هذه الحياة فان هناك وقفات وجدانية وتأملات كونية وحكم وعبر. لذا حمل الشاعر الاندلسي قصيدة أفكاره ونظراته في الحياة والكون والموت والدنيا والدهر والزمن والأيام وغيرها من القيم الروحية والقضايا والمشكلات الاجتماعية التي لايخلو منها أي ديوان شعر أندلسي وأي فن شعري ولا سيما فن الرثاء، إذ جاءت مراثيهم وهي تحمل بعدا فلسفيا تضمن الحديث عن مشكلة الحياة والموت والبقاء والفناء. إذ كانت هذه الموضوعات تثير خواطر وأفكار ا فلسفية متشعبة تدعو إلى التفكير في هذه المشكلة الإنسانية الخالدة وتذكر الماضين الذاهبين (3) ، وكثيرا ما اقترنت الحكمة بتلك الأشعار التي تضمنت هذه القيم الروحية والقضايا الإنسانية التي شغلت بالهم كثيرًا عانوا من مشكلاتها وتأملوا اسرارها وذلك لمناسبة المقام لمثل هذا النوع من الشعر ولان شعر الحكمة (( يصور إلى حد كبير هموما والاما من نوع خاص، تعكسها الحكمة ولو بصورة غير مباشرة ) ) (4) ، فالشاعر يحاول من خلال تلك الاشعار ان يقدم خلاصة أفكاره وتجاربه التي مر بها وأدرك تفصيلاتها في هذه الحياة بعد ان ذاق حلوها ومرها، وعاش أيامها ولياليها وخبر الناس فيها وعرفهم على طبيعتهم، وعانى من غدر الزمان وصروف الدهر وتقلباته فخرج الشاعر محملا بتجارب وأفكار تثري عقله وتغني تجاربه ومن ثم قد تثري وتغني تجارب الآخرين، الا ان هذه الأفكار والتأملات والحكم قد اختلفت ضعفا وقوة من شاعر إلى آخر فمنها ما كان ساذجا بسيطا يعتمد التجربة السطحية فقل تأثيرها وفاعليتها، ومنها ما كان عميقا يستند إلى قوة التجربة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت