الا ان هذه الحياة كانت -ومازالت- مرهونة بالحدث الخطير الذي يهددها على الدوام والمتمثل بشبح الموت، اذ ان الحياة بطبيعتها لايمكن ان تسير الا بوجود الموت الى جانبها وكأنها لاتظهر الا من خلاله. فهي تسير بالانسان من دون كلل ووجهتها المنايا دوما والانسان فيها لايملك حق الاعتراض والسؤال، يحيط به الظلام لايعرف الكثير عنها لتبقى ذلك السر الغامض الذي لم ير الانسان فيها منذ كان الا الفناء واللحود (10) .
وقد دفعت الحياة الشعراء الى التفكير والتأمل فيها متأملين حاضرها ومستقبلها، فاتجه تفكيرهم في رحلة الحياة ومصير الناس وحتمية الاقدار ونزول البلاء، وضعف الانسان بازاء مصائب الايام (11) ، فشكلت الحياة بذلك ركنا من اهم اركان التامل وادب الحكمة (12) واستطاع الشعراء بشعورهم المرهف ان يتذوقوا حلاوة الحياة ومرارتها، فجاءت وقفاتهم الوجدانية معالم طريق لمعرفة مواقفهم من مسألة الحياة وترجموها صورا، بحيث كانت طاقاتهم الفكرية والذهنية تصب في لوحاتهم الشعرية لتكشف لنا عن نظرات فلسفية وتأملات فكرية مختلفة.
وقد انقسم الشعراء في تأملهم للحياة الى ثلاث اقسام:
1 -شعراء لجأوا الى الزهد والتقوى في الحياة ايمانا منهم انها قصيرة زائلة، فراحوا يدعون الناس الى التخلي عنها وعن لذاتها ويخوفونهم العذاب، وهذه النظرة اساسها النزعة الدينية التي تؤكد زوال نعيم الحياة، وهذا ما ولد لديهم موقفا سلبيا من الحياة يتمثل في تصوير تقلباتها وغدرها بصاحبها، وقد تميزت هذه النظرة بضيقها لانها لا تصور الا الجانب المعتم من الحياة مهملة الجانب المشرق منها.
2 -شعراء سئموا من الحياة لعدم قدرتهم على تحمل تكاليف العيش بعد عمر طويل عاشوه فيها، وسيطرت عليهم مسحة من اليأس والحزن لتكالب الخطوب عليهم واحاطة الازمات بهم، ولشدة ما عانوه وقاسوه في الحياة من متاعب والام ومصائب، فأهتز بذلك ايمانهم بالحياة وحبهم لها، فلجأ العديد منهم الى التزهد في اشعارهم في اواخر حياتهم، فجاء زهدهم ليمثل حالة من حالات الشعور بانقضاء العمر والتحسر على ما فات منه وهي من الحالات الطبيعية التي تعتري كثيرا من الناس الذين يجنحون للتنسك في اواخر اعمارهم، فيتوبون ويسبحون ويستغفرون