ويتزودوا بصالح الاعمال فحياتهم الاخرى بعد الموت. اما الى نعيم مقيم، او نار وحميم: (74)
سيفتى العزيز ويفنى الذليل ... وتفنى القوى ويفنى الالم
يبيد الجميع فلا تغترر ... بما لا يدوم لمن لم يدم
فأين الذين بنوا تدمرا ... وباني البرابي وباني الهرم
وأين الألى احكموا قادسا ... وعقد قناطرها والصنم
و تاتي المنية لابد ان ... يطيف بنا حكمها الملتزم
ومن بعد ذلك دار الجزاء ... وما قد مضى فكماضي الحلم
فدار النعيم لاهل الفلاح ... ونار لمن قد عصى تضطرم
فبادر قبيل حلول الردى ... فتندم اذ ليس يغني الندم
ويبرز لنا الفقيه الزاهد ابو اسحاق الالبيري من خلال فلسفته في الموت، في صورة الحكيم الواعظ، اذ ارتبطت فلسفته بالوعظ والتنبيه والتذكير، فهو يلفت الانظار الى المواطن السلبية في حياة الناس، ساخرا من الانسان الذي اسرع اليه النسيان (75) وغفل عن الموت، ولم يعد يحسب حسابه وحساب الحياة الاخرى التي وراءه (76) فراح يحث على الاعتبار بمن تقلبت بهم الاحوال وقضى عليهم الموت بعد تلك النعم والبأس والقوة التي كانوا عليها (77) . فالموت يرصد الانسان دوما وينذره، وهو قريب منه اينما كان ولا يعلم احد متى يحين اجله (78) ويقرر حقيقة الموت بأنه حتم على البشر يصيب الكل ولا مناص في ذلك، فهو رحى تستدير فتطحن الجميع، وهو الباب لحياة اخرى هي دار البقاء والخلود: (79)
نحن في منزل الفناء ولكن ... هو باب الى البقاء وسُلّم
ورحى الموت تستدير علينا ... ابدا تطحن الجميع وتهشم
وقد وقف ابن زيدون عاجزا امام سلطان الموت، حائرا في تفكيره، على الرغم مما يمتلكه الشاعر من خزين فكري وثقافي وديني وتجارب حياتية، وحاول ان يكشف شيئا من حقيقته، باحثا عن المعادل الموضوعي لما يشغل تفكيره، فوجد ان الموت لا يسلم منه احد ينسل متخفيا لا يدفعه الحزن او مهارة الطبيب: (80)
انما يكسبنا الحز ... ن عناء لا غناء