الصفحة 19 من 41

وتبقى الصورة المهذبة التي برزت عند اولئك الشعراء الذين عدوا الموت امرًا مقدرا عليهم وربطوه بسلطان خالقهم عز وجل، هي الفلسفة التي تبناها معظم شعراء الاندلس، والتي عكست ايمانهم المطلق بقضاء الله، فقد تيقن اولئك الشعراء من فناء الدنيا وحتمية الموت، وعدم جدوى الحزن والبكاء. لان رحى الموت تدور على كل انسان فتطحن الجميع وان الموت افة الحياة يفني كل شئ، وهو قدر مكتوب لا يعلمه الا الله تعالى مما ولد لديهم احساسا بالعجز والتسليم بقوة الموت وضعفهم امامه، وهو احساس يرجع بطبيعته الى ما وقر في نفوسهم من مسلمات وايحاءات العقيدة الاسلامية الذاهبة الى ان (( كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام ) ) (الرحمن 26 - 27) فخلت بذلك اشعارهم من الاشارة الى صراعهم مع هذه القوة الخارقة التي اذهلتهم فمن النادر ان نسمع صوت يدعو الى غض النظر عن هذا المصير ومواجهة الحياة بشجاعة.

ومع هذا فقد كره الشعراء الموت، واصبح شغلهم الشاغل لانه ينغص عليهم حياتهم ويقض مضاجعهم وينهي حياتهم، الا ان بعض الشعراء ممن ولي شبابه وادركته الشيخوخة، او من الذين اصابهم المرض واقعدتهم عن الحركة، وعن ممارسة حياتهم الطبيعية او ممن غدر بهم الزمن ودارت بهم الايام نراهم يتمنون الموت حتى يتخلصوا من متاعبهم والامهم وما أصابهم لانهم على يقين انهم سيجدون راحة ابدية ورحمة واسعة.

اذن هناك الكثير من التأملات والافكار والمعاني والصور يطالعنا بها شعراء الاندلس تجاه الموت عكستها ثقافتهم الشخصية وتجاربهم الخاصة التي عاشوها وجسدوا توجهاتها وافكارها في اشعارهم كأن يكونوا زهادا او متصوفة او شعراء من اهل الدنيا.

فعندما تقدم العمر بالشاعر ابن عبد ربه شعر بدنو اجله، و تذكر الموت فخفق قلبه خوفا وانهملت دموعه متصببه، الا ان ايمانه العميق بقضية الموت وحتميته جعلته يتيقن ان لا شئ يرد هذا القدر: (70)

من لي اذا جدت بين الاهل والولد ... وكان مني نحو الموت قيد يد

والدمع يهمل و الانفاس صاعدة ... فالدمع في صبب و النفس في صعد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت