الصفحة 18 من 41

الانسان وسبيل الناس وحياتهم، وجاءت في مقطوعات منفردة او ضمن اغراضهم الشعرية المختلفة ولاسيما في قصائد الرثاء اذ أنهم (( لم يجعلوا الموت موضوعا لقصائدهم، بل ذكروه عرضا في الرثاء او في حالة اليأس ) ) (68) فحملت تلك الاشعار افكارهم وآراهم المختلفة في الموت، اعتمادا على مشاعرهم الخاصة نحوه وانطلاقا من فكرتهم عنه ومن المواقف التي (( يوحيها المجتمع وتخلقها الحياة العلمية واليتها أو طريقة عملها ) ) (69) .

فنجد بعض الشعراء عندما تمتد به الحياة وتدنو ساعته يتحدث عن الموت حديث الواعظ فيدعو غيره أن يعرض عن اللذات. ويتبع اوامر الله، ويعتبر بأحوال الاخرين ممن راحوا عن الدنيا ولم يحملوا معهم غير كفنهم، ولم يحوزوا من ارضها غير القبر.

فكانت"فكرة الموت"عندهم مؤشر تبدل في الموقف من الحياة وما فيها، وكانت كفيلة في ان تعيد صياغة مفاهيم وافكارهم وتبني سلوكا عمليا لديهم منسجما مع المنطق الذي اختاروه ازاء حقيقة الموت الشاملة. فالتزموا بذلك حياة الزهد. والتخلي عن الدنيا فهجروا حياة اللهو والعبث التي كانوا يعيشونها ففلسفوا الموت من خلال نظرتهم للحياة وتهافت الناس عليها وانشغالهم بها.

وقد حاول بعض الشعراء من خلال عرض"فكرة الموت"ان يسموا بالانسان ويرتفعوا به عن سفوح الجسد الى قمم الروح، فكان حديثهم عن الموت حديثا دينيا يخاطب الروح ولم يخاطبوا فيه العقل ولا العاطفة، فيدعوا الناس الى التزود بالعمل الصالح قبل ان يضمهم القبر، ويقفون امام الله يوم الحساب فيجزي كل امرى على ماكسبت يداه.

ومن الاساليب البارزة التي ظهرت في الشعر الاندلسي ولجأ اليها بعض الشعراء في عرض تأملاتهم وافكارهم الفلسفية في الموت والفناء، هي دعوتهم للاتعاظ وأخذ العبرة من الماضين الذين اقتلعهم الموت وافناهم، فلجأو الى عرض شواهد من واقع الحياة والتاريخ، والتي تشير الى فناء الامم السابقة والحضارات القديمة وموت الانبياء والملوك والجبابرة والاقوام السابقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت