الصفحة 17 من 41

والصغير، والغنى والفقير، والقوي والضعيف، والراعي والامير والكريم والبخيل، فلا ينجو منه احد من البشر.

وعلى الرغم من ايمان الانسان بأن الحياة ظل متنقل والدنيا سفر الى أبدية لاترجع وانه فان يزول مع الزمان، لأن الموت حق لامرد له يسير به الى دار الخلد، بقيت تساؤلاته حول الموت قائمة، وبقي قلقه منه مستمرا الى يومنا هذا لانه الوحيد في هذا الوجود (( الذي يملك يقينا مزعجا عن حقيقة الموت ) ) (61) فهو يشيع في كل انسان (( لانه طابع أصلي في الوجود حتى في اشد الناس طمأنينه بل في السعادة نفسها وان اختلفت درجته واختلف مقدار الشعور به فيما بين الناس ) ) (62) وبذا كثر ذكره عند الفلاسفة والشعراء والصوفيين وان اختلفت وجهات نظرهم فيه (63) ، فالموت عند الفلاسفة المتأثرين بالفلسفة اليونانية، هو انتقال الى حياة روحية خالصة اغزر علما من الحياة التي كان يحياها الانسان بجسده الفاني فهو عندهم حياة لا يخافونه، بل يسعدون به لانه متمم لمعرفتهم الكبرى وسعادتهم العظمى وهكذا كان ابن طفبل في قصته"حي بن يقظان" (64) .

اما الصوفي فهو يتغبط بالموت لانه يخلصه من الجسد الذي يعوقه عن الاتحاد الابدي بالله، فهو يجد في الموت ومفارقة الروح للجسد أسعد الاوقات وأمتعها لان روحه ستبقى خالدة الى الابد في الذات الالهية (65) .

اما الشعراء فان الموت قد حيرهم فوقفوا بين القبور متأملين في الموت سائلين عن سره فالتزموا (( موقف الشك واللا ادرية والحيرة في أمر الموت العصيب الذي لم يستطع فيلسوف ولا عالم ان يكشف سره، وان يبعده عن الانسان ) ) (66) فشغلهم وتأملوه، كما تأملوا الحياة والدنيا بل كان له حيز اكبر في اشعارهم وتأمل اعمق في فلسفتهم لانه ينهي حياتهم وينغص عليهم عيشتهم، ويسلب أعز الناس منهم، ويهدم الشمل واللذات، وفيه دليل على ضالتهم وضعفهم امامه فضلا عن جهلهم لحقيقته.

فكان تأثر الشعراء بمبادئ القرآن الكريم في فهم مصيبة الموت والتعامل معها بدا واضحا في اشعارهم، فقد وجدوا فيه عزاء عميقا لنفوسهم الحائرة (67) ، فكثرت في أشعارهم - التي تتحدث عن الموت - المعاني الاسلامية التي تتصل بمصير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت