كأن العقل للدنيا عدو ... فما يقضي بها أربا اريب
اذا لم يرزق الانسان بختا ... فما حسناته الا ذنوب
وفي ابيات فيها شئ من الحكمة يفلسف الملك الشاعر يوسف الثالث (ت 819 هـ) موقفه تجاه الحياة منطلقا من تجربة فردية تتمثل بمعاناته من تقلبات الحياة، ومحن الليالي مستخلصا من ذلك العبرة لنفسه وللاخرين، فيرى انه لا امان مع هذه الحياة التي تتغير فيها الاحوال من فرح وسرور وعز الى هم وحزن و ذل، فترفع اناسا لا يستحقون وتخفض اخرين فعلى المرء ان لايغتر بها، ولا يغفل اساءة الزمن: (44)
يا غافلا غره ما جره الزمن ... هديت ان الليالي كلها محن
لاتغترر بسرور زائل فله ... بعد السرور اذا دبرته حزن
كم قد أهان عزيزا بعد عزته ... وكم أعز ذليلا وهو ممتهن
لأفشين امورا كنت اكتمها ... فقد تستوى لدي السر والعلن
أرى الحوادث لا تنفك تطلبني ... حتى كأني بصرف الدهر مرتهن
اذن هذه تأملات وأفكار الشعراء من اصحاب القسمين الاول والثاني والتي - حسب ما ذكرنا- تداخلت مع بعضها في النظر الى الحياة، وتمثلت بالدعوة الى الزهد فيها وعدم الاغترار بها والاطمئنان اليها لانها مليئة بالتناقضات، وايامها ولياليها جبلت على الغدر، والعمر فيها قصير ولابد للمرء ان يستثمره بصالح الاعمال فضلا عن ذلك نجد التأملات الفردية التي تكشف عن تجربة ومعاناة خاصتين مر بها الشاعر، انعكست بالتالي على موقفه من الحياة ونظرته اليها.
3 -اما شعراء هذا القسم فان افكارهم وتأملاتهم ودعواتهم جاءت على النقيض من سابقيهم فهم نظروا الى الحياة بعين المحبة ودعوا الى أنواع الملذات من مجون وخمر ونساء اخذين بأسباب من الحياة الماجنة العابثة فكانت نظرتهم الى الحياة سلبية هي الاخرى، لانها لاترى من الحياة الا اللذة بوصفها ردّ فعل للموت المتربص بالانسان أو لطبيعة الحياة المترفة التي كان يعيشها البعض، كما ان نظرتهم هذه كانت جزئية - ايضا- لانها اقتصرت على جانب بعينه من الحياة ظنا