ولا أراق دما من باسل بطل ... ومات كل اديب غبطة بدم
اوغلت في المغرب الاقصى واعجزني ... نيل الرغائب حتى ابت بالندم
ولقد كان لبعض الشعراء من افراد الطبقة الوسطى طموحهم وامالهم في الغنى التي لم تلبث أن خابت فجاءت فلسفتهم لتعزي تلك النفوس بخيبتها وخذلانها وتسليتها بفلسفة"ان الاصل الطيب لا يضره عدم الغنى"ما لم تغيره حوادث الدهر، فيشير الشاعر ابن مرج الكحل (ت 634 هـ) الى ذلك بقوله: (41)
عذيري من الامال خابت صقورها ... ونالت جزيل الحظ منها الاباغث
وقالوا ذكرنا بالغنى فأجبتهم ... خمولا ولا ذكر مع البخل لابث
يهون عليك ان يبيد اثاثنا ... وتبقى علينا المكرمات الاثائث
وما ضر اصلا طيبا عدم الغنى ... اذا لم يغيره من الدهر حادث
وبعد ان تأمل أبو البقاء الرندي (ت 684 هـ) الحياة واستبصر التأريخ والاحاديث، واكتشف التناقض الذي يتحكم في علاقات الاشياء يقرر قاعدة انسانية مستمدة من تلك الاحاديث والتناقضات مؤداها ان اكمل أي شئ في الوجود هو بداية نهايته، وهذا الحال ينطبق على الحضارات والامم والشعوب، فعلى الانسان ان لايغتر بحاله وماله وقوته وجبروته فسبيل ذلك كله الفناء: (42)
لكل شئ اذا ما تم نقصان ... فلا يغر بطيب العيش انسان
هي الامور كما شاهدتها دول ... من سره زمن ساءته ازمان
وهذه الدار لاتبقي على احد ... ولا يدوم على حال لها شان
ومن تناقضات الحياة التي اكتشفها الرندي - من خلال جهاده وسعيه فيها - هو ان العيش فيها لا يخضع لمنطق ولا يجري على أسس ثابته، وان الحظ فيها هو سبب كل نجاح يصل اليه الانسان، ومع غيابه تصبح حسناته سيئات، واكتشف ان الاريب لا حظ له فيها، وكأنها تعادي كل ذي عقل: (43)
وقد أجهدت نفسي في اجتهاد ... وما ان كل مجتهد مصيب
وقد تجري الامور على قياس ... ولو تجري لعاش بها اللبيب