وليس حظ المرء من عمره ... الا خطى تحصى وانفاس
جرى الفتى والشيخ في حلبة الـ ... ــموتى وولّى الورد والاس
ولما اخذت الكابة تطبق على الشاعر ابن خفاجة (ت 533) ، أصبح إحساسه بالسرور امرا عاديا، فلم يعد يحدث تلك الرعشة حينما يمر على حسه، اذ اصبحت سواء لديه ليالي الحزن والالم وليالي الفرح بالبهجة والسرور: (36)
واذا ما انقضت صروف الليالي ... فسواء ليل الاسى والسرور
فانتهى به التفكير الى تفاهة الحياة ومرارتها وعدمها، فالحياة خراب، ومصير الاجسام التراب، فليس امام المرء الا الزهد في العاجلة والسعي وكسب الثواب من اجل الاجلة: (37)
الا ان جسما يستحيل لتربة ... وان الحياة تنتهي لخراب
فلا سعي الا ان يكون لاجل ... ولا ذخر الا ان يكون ثواب
وتمنى لو انه لم يخلق: (38)
فياليت اني ما خلقت لمطعم ... ولم ادر ما اليسرى هناك ولا العسرى
وقد جاءت نظرة ابن بقي القرطبي (ت 545 هـ) في الحياة منسجمة مع حياة التشرد والضياع التي عاشها ومثلها باقسى صورهما (39) فقد كان الشاعر شديد النقمة على اهل الاندلس كثير الشكوى من وجوده بين اهل المغرب نادبا حظه الذي دفعه بينهم فأخذ اليأس يصيبه ويدفعه الى الاستسلام، ليجد ان المنطق الصحيح للعيش في هذه الحياة الذي يستطيع الانسان من خلاله ان يحقق رغبته ويسمع به اولئك الجهال من قومه، هو منطق القوة فبارك الشاعر الرمح رمز القوة والانتصار ووسيلته لنيل العلا، وتحقيق الرغائب، ولعن حرفة الادب والعلم لعدم وجودهما ولانهما سلاح الجبناء والضعفاء، فيقول: (40)
انا امرؤ ان نبت بي ارض اندلس ... جئت العراق فقامت لي على قدم
ما العيش بالعلم الا حيلة ضعفت ... وحرفت وكلت بالقُعدُدِ البرم
لا يكسر الله متن الرمح ان به ... نيل العلا، و اتاح الكسر للقلم