الصفحة 13 من 24

فالنّحاة قالوا عن المفعول لأجله الذي يلتقي مع الحال في البعد الدلالي في سياق ما: حالًا؛ لأنّ الشرط الصرفي للحال يسمح بذلك.

ولكن هل قالوا عن الحال التي تلتقي مع المفعول لأجله في البعد الدلالي في سياق ما: مفعولًا لأجله؟ هذا الاحتمال غير وارد عندهم في الحقيقة؛ ... لأنّ الشرط الصرفي لوظيفة المفعول لأجله لا يسمح بهذا الاحتمال؛ فنحن عندما نقول: جئتك رغبة في الاستفادة من علمك.

نسمح بإعراب"رغبة"مفعولًا لأجله، أو حالًا. ولكن إذا قلنا: ... جئتك راغبًا في الاستفادة من علمك.

لم يبق في إعراب"راغبًا"إلا وجه واحد؛ فهي حال، ولا احتمال آخر فيها، على الرغم من أنّ الكلمة"راغبًا"ما زالت محتفظة بالبعد الدلالي نفسه، فملحظ العلة واضح فيها، وإنْ كانت صيغة المشتق"اسم الفاعل"قد أضفت على المعنى لونًا خاصًا وبعدًا جديدًا فإنّها لم تسلب التركيب المعنى المستفاد من صيغة المصدر. ولعل هذا يتّضح إذا وضعنا هذا المشتق بإزاء مشتق آخر لا يتضمّن معنى العلّة، وذلك كما في الجملتين التاليتين:

-جئتك راغبًا.

-جئتك ماشيًا.

إذ يتبيّن من المثالين السابقين أنْ ليس كلّ مشتق، في وظيفة الحال، يبيّن هيئة صاحبه، وأنّ بعض المشتقات تتضمّن أبعادًا دلاليّة أخرى، كبيان العلّة، وهذا يعتمد، في جانب كبير منه على الفروق في المعاني المعجميّة للمشتقات؛ فـ"راغبًا"ينتمي إلى مجموعة الأفعال التي يسميها النّحاة قلبيّة، والتي يقولون في تعريفها:"إنّها أفعال غير مؤثرة ولا واصلة منك إلى غيرك، وإنّما هي أمور تقع في النفس" [1] ، أمّأ"ماشيًا"فينتمي إلى مجموعة أخرى تعرف بالأفعال العلاجيّة، وهي التي يناسبها أن تكون مبينّة للهيئات، أمّا سابقتها فإنّ بيان الهيئة فيها يأتي ... ضمنيًا مُسْتَنْتَجًا [2] . وقد يتّضح كيف يتحمّل النوع الأوّل من المشتقات ملحظ العلّة، أحيانًا، كما في الأمثلة الآتية:

(1) 20. ... ابن يعيش، شرح المفصل، 7/ 78، وواضح أنّ هذا التعريف لا ينحصر في أفعال الظنّ واليقين بل يتجاوز ذلك ليشمل كل الأفعال التي يكون محلها النفس.

(2) 21. ... لا شكّ أنّ هيئة الراغب تختلف عن هيئة الخائف، مثلًا، إلا أنّ التفكير في الهيئة يأتي تاليًا، بعد معرفة الحالة النفسيّة أو العاطفيّة التي يتضمنّها هذا النوع من المشتقات ويدل عليها دلالة مباشرة، وانظر: سيبويه 1/ 362. ولا يخفى أنّ هذا التقسيم فيه كثير من العموميّة؛ فالأفعال القلبيّة التي ينطبق عليها تعريف النّحاة السابق تتفاوت فيما بينها؛ فبعضها قد يدل الهيئة دلالة قويّة ملاحظة، وبعضها الآخر يضعف فيه ذلك أو ينعدم فيخلص للدلالة على ما يستقر في النفس من عواطف وإحساسيس ولعلّ الفرق يتّضح إذا تأملنا الفروق بين الكلمات التالية: عاد: خائفًا، مصمّماّ، متأثرًا، خائبًا، راضيًا، غاضبًا، فرحًا، مستبشرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت