إنَّ اللغةَ أداةٌ ذاتُ أهميةٍ بالغةٍ في الحضارةِ الإنسانيةِ. إنَّها شيءٌ لا غِنى عنهُ، وهي مُلكٌ مُشاعٌ لكلِّ طبقاتِ المجتمعِ من أعلاها إلى أدناها (23) ، و لا شكَّ في أنَّها تُشكِّلُ جزءًا من الوعي الثقافيِّ للجماعةِ (24) ، حيثُ تُعتبرُ مُكوِّنًا للثقافةِ، ولكنَّها"تَكُونُ أساسًا لمجموعةِ الظَّواهرِ الثقافيةِ، وقاعدتها، ووسيطها الكلي" (25) .
اللغةُ لابدَّ لها من جماعةٍ تَستخدمها حتى تصبحَ لغةً (26) ، فالعلاقةُ بينهما تبادليةٌ، اِحتياجُ الجماعةِ إلى لغةٍ أمرٌ ضروري، بل حاسمٌ لها؛ لِتتمكنَ من التواصلِ (27) في ما بينَ أفرادها، وتبقى اللغةُ الحاملَ لِثقافةِ وفكرِ الجماعةِ (28) .
من هنا مَنشأُ الاحتياجُ لكليهما؛ اللغةُ والجماعةُ، فاللغةُ"ظاهرةٌ اجتماعيةٌ (29) ، وهي أداةٌ للتعبيرِ عمَّا يدورُ في المجتمعِ، فهي تُسجلُ لنا في دِقةٍ، ووضوحٍ الصُّورَ المختلفةَ؛ المتعددةَ الوجوهِ لِهذا المجتمعِ؛ من حَضارةٍ ونُظُمٍ وعقائدَ واِتجاهاتٍ فكريةٍ وثقافيةٍ وعلميةٍ وفنيةٍ واِقتصاديةٍ، وغيرَ ذلكَ" (30) ، فاللغةُ"هي في كلِّ لحظةٍ بِناءُ حاضرٍ، ونتيجةُ ماضٍ، وهي حركةٌ متطورةٌ" (31) .
الفردُ الذي يولدُ في محيطٍ لهُ ثقافةٌ خاصةٌ، سيفكرُ بالاعتمادِ على مفرداتٍ تتصلُ بوسيلةِ التَّعبيرِ الشائعةِ في جماعتهِ، وإنَّ طَبيعةَ تَفكِيرهِ بالتالي سَتكونُ متأثرةً بذلكَ، فنحنُ عندما نريدُ دِراسةَ الطريقةِ التي يُفكرُ بها أيُّ شعبٍ من الشُّعوبِ، فإننا نَدرسُ لغةَ هذا الشَّعبِ (32) .
اللغةُ"هي عبارةٌ عن نَسَقٍ مِن الإشارَاتِ (33) يُمكنُ أنْ يُستعملَ للتَّوَاصُلِ، أو بمعنىً آخرَ هي تلكَ القابليةَ التي يَتوفرُ عليها الإنسانُ؛ لِاختراعِ الرُّمُوْزِ بكيفيةٍ مُعتمدةٍ"، أمَّا الفكرُ"فهو ذلكَ الوِعاءُ الذي يحوي التَّصورَ والتخيلَ والذاكرةَ، والذَّكاءَ، ومحرِّكُ الفكرِ هو الذَّكاءُ، والذَّكاءُ عندَ الإنسانِ لا يبلغُ دَرجةَ الكمالِ إلاَّ عِندما يُصبحُ عقلًا، ونشاطًا تجريديًا يَستعملُ المفاهيمَ والتَّصوراتِ بواسطةِ اللغةِ" (34) .
"إنَّ أهميةَ اللغةِ لِفهمِ الثقافةِ حقَّ الفهمِ أمرٌ أخذَ يُحسُّ بهِ مَنْ يَعرِضونَ لِدراسةِ الحضاراتِ؛ وذلكَ لأنَّ أيَّ نظامٍ لُغويٍّ تعبيرٌ عنْ نِظامِ إدراكِ جَماعةٍ من الجماعاتِ لِبيئتها ولِنفسها، وإنْ لم يَكنْ هذا التعبيرُ كَامِلًا ومِنْ"