يكون الرسم أو الصورة نسخة مطابقة للمرسوم أو المصور. وهذا شيء لا يمكن قبوله. فالمعنى التقريري لا يوجد إلا باعتباره حدا نهائيا. ويمكن أن نطلق التقرير على المضاف الدلالي لمجموع العناصر الدالة التي تسمح بالتعرف، بأبسط الطرق، على الموضوع المعين. إن هذه العناصر لا يمكن استخراجها إلا بالحذف المتتابع لكل الإضافات التأويلية، تماما كما نزيل أوراق الخرشوف. إلا أن اللغة تقرر الأشياء بشكل مختلف. إنها تقوم بذلك اعتباطيا وليس بشكل تعليلي. إن الدال لا يدعي تطابقه مع المرجع. ولهذا السبب فهو في حاجة ماسة إلى مواضعة تثبت معناه التقريري (أو شروطه التقريرية، أي المعانم التي تشكل، كما رأينا، الشروط الضرورية والكافية لإنجاز آليات الإرجاعية) . وهذا المعنى يمكن إدراكه بطريقة مباشرة.
2 -ومن جهة أخرى، فعندما يعتبر بارث أن المعنى التقريري يجب أن لا ينظر إليه إلا كحالة خاصة للمعنى الإيحائي (الشيء الذي لا يلغي التعارض، ولا أن المضمونين ليس لهما نفس الوضع، فهو يعيد صياغة العلاقة - الاحتواء عوض الإلغاء - القائمة بين مجموعتي القيم) ، فإنه يستند إلى البرهنة الضمنية التالية: إن الإيحاء إيديولوجيا. والحال أن التقرير هو أيضا إيديولوجيا. وبناء عليه، فإن التقرير هو الآخر نوع من الإيحاء، وسيكون هو آخرها، لأن الإيديولوجيا تتزيى داخله بزي الطبيعي.
وتلك الفكرة هي التي سنتناولها بالنقاش فيما سيأتي. ولكن القضية ليست بسيطة، وسنكتفي بطرح بعض المعالم:
أ - لا يبدو لنا أن الإيحاء يمكن مقارنته الإيديولوجيا، ولا باللاإيديولوجيا، ذلك أننا نعرف الإيديولوجيا بأنها:
-نسق للتمثيل (شكل مضامين)
-ذات طبيعة تأويلية (وليست موضوعية)
-تلعب دورا تاريخيا وسياسيا محددا (إن العمل الإيديولوجي يهدف إلى تسويغ مصالح طبقة معينة) .
-تطمح بشكل مخادع إلى أن تكون كونية وطبيعية (الإيديولوجيا لا تعبر عن نفسها باعتبارها إيديولوجيا. فهي لا تكف عن ترديد: أنا لست إيديولوجيا) .
-عندما تنتشر في اللغة، فإنها تشكل في ذاتها لغة مستقلة نسبيا.
وبهذا المعنى، فإن مدلولات الإيحاء المرتبطة - حسب بارث - بصورة الزنجي الذي يؤدي التحية العسكرية الفرنسية: الفرنسة، والعسكرية، الأمبريالية الفرنسية، تعود بالفعل وبالقوة، إلى الإيديولوجيا. ولكن تلك ليست حالة كل الوقائع الإيحائية.
ب- من اللائق أن نحاول الإحاطة - داخل مجموع الإيحاءات التي قمنا بإحصائها - بتلك القابلة لأن توصف بالإيحاءات الإيديولوجية. ولقد أشرنا بالفعل، في بداية هذه الدراسة، إلى وجود قسم من الإيحاءات الإيديولوجية، تركناه بعد ذلك فارغا. لقد كان ذلك من باب التراجع إلى الخلف للقفز بشكل جيد. ولكن من البديهي أن بعض الشرائح الإيحائية يمكن أن تدرج ضمن هذا القسم، وأن بعض المضامين الإيحائية (وليس جميع المضامين بالتأكيد) ذات طبيعة إيديولوجية مثل: