بعد توفيق الله ثم دراسة استمرت لسنتين - تقريبًا - وصلت بي دراسة (الآنا الآخر) في تقسيماتها المعتمدة على تناول الأنا منفردًا والآخر منفردًا والآنا الأخر مجتمعين، وطبيعة العلاقة التي تنشأ بينهما ونوعها في شعر العيسى إلى مؤشرات تم اثباتها في ثنايا فصول الدراسة، ويمكن الخروج من استعراض الأنا باوضاعها المختلفة: أن الأنا تتأثر بأوضاع داخلية ومصدرها الذات المتعلقة بالماضي أو القلقة من المستقبل، أو بأوضاع خارجية اصتدمت بها، وفي الأوضاع الثلاثة التي افترضها البحث، فالأنا تتألم أو تتشأءم أو تعتز في كونها متأثرت أو مؤثرة في الآخر الذي مثل انشطار عن الآنا ليشكل جزءًا منها وبصورة بسيطة.
فالأنا المتألمة شكل الحرف فيها فضلًا عن القصيدة ألما مستقلًا أو مندمجًا مع سائر الألم، ولا شك فألم الأنا نشأ جراء اخفاق الأنا في الوصول وجراء المفاجأة في أحايين أخرى، وفي ألمه تجارز الحرف دلالته كرسم كتابي إلى دلالة في الشعر ليصبح أيقونة على القصيدة، ويمكن القول أن ثلاثية (الجرح - الحزن - الحرف) شكلت مظاهر الألم وبواعثة والمعبرة عن (أنا) الشاعر، والآنا المتشائمة تنظر عبر فضاءات متعددة إلى ذاتها والطبيعة والحبيبة والقصيدة، في تفاعل اخذ بالقرب تارة والبعد تارة أخرى.
وأبرز مظاهر التشاؤم أنه تشاؤم أكثر ما يجلبه لدى المتلقي هذه الشفقة على الآنا المستعرضة للألم، وهي لاتقوى على مواجهة فضاء الأنا الداخلي وهو نوع من الاستلاب الذي لاتقدر الأنا منه فكاكا، وحركة الأنا في فضائها هي ندع من الحركة والحركة المرتدة ونشوء التشاؤم ليس عاملا ًخارجي فهو يتشاؤم من بعض عناصر الطبيعة كالريح والشمس والظلام.
وتتجلى الأنا المعتزة في ثلاث صور: اعتزاز بما يصدر عنها ومنها وبما يصد منها من الآخر ومايصدر عنها عن الآخر، وكما كان يتشاءم من الطبيعة وتحولاتها فإنه في كثير من الصور الشعرية اعتز بقدارته في مواجهت نوائب الدهر وركوبه شرائد الأخطار.