الصفحة 78 من 252

صلى الله عليه و سلم)، روى الترمذي بسند حسن أن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) قال: (عرض عليّ ربي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا، فقلت: لا يا رب، بل أجوع يوما و أشبع يوما، اذا جعت تضرعت اليك و دعوتك و اذا شبعت شكرتك و حمدتك)

و لو أراد الشهيد الدنيا لنالها و قد أقبلت عليه طائعة بزينتها و لكنه كان يمقت الترف و آثر حياة الجهاد على التقلب في أطراف النعيم، و لقد كان رحمه الله يعتبر الزهد من أعمدة الجهاد

رابعا: حلمه و صبره:

وكيف لا يصبر و هو يعتبر الصبر أحد أعمدة الجهاد، و الصبر من طبيعة الجهاد و لا يمكن أن يكون هناك جهاد دون صبر، و قد شاء الله أن انكفأ قدر مرق ساخن بما فيه على يد ابنه الصغير مصعب و اذا بالبيت يرتبك فقال لهم الشهيد بهدوء: (سبحان الله ان بيوت الأفغان لا تخلو من عدة مصائب فأحيانا تجد البيت فيه مأتما و قد شوه وجه ابنه أو قلعت عين ابنته و هذا قطعت يده أو رجله و هم مع ذلك صابرون محتسبون) و اذا بالبيت فجأة يلفه الصمت و يرضون جميعا بقضاء الله.

و قد حاول الظلمة في الأرض محاصرته و لكنهم لم يستطيعوا أن يصلوا الى هذه القمة السامقة التي تعيش فوق ذروة سنام الاسلام فماذا فعلوا؟ وجهوا سهامهم و حركوا أذنابهم ليتناوشه الأعداء من كل جانب و ليطلق المنافقون ألسنتهم بالسوء في محاولة لتشويه سمعته و لكنه صبر و احتسب ذلك عند علام الغيوب، و كان لسان حاله يقول كما قال الشاعر:

و اما ممات يغيظ العدا

فاما حياة تسر الصديق

ورود المنايا و نيل المنى

و نفس الشريق لها غاياتان

و يوم أن كشر أهل النفاق عن أنيابهم و بدأت الأشرطة المسموعة و المنشورات تكتب ضده لتشويه سمعته، قال له بعض الأخوة: (لو أنك ترد على هؤلاء؟) فقال رحمه الله: (والله ما عندي وقت أن أقرأها فضلا عن أرد عليها) لقد وكل أمره الى الله، و كان لسان حاله يقول كما قال النبي (صلى الله عليه و سلم) عندما شجّ وجهه يوم أحد و انكسرت رباعيته، فقال له أصحابه: (لو دعوت عليهم؟) فقال عليه السلام: (اني لم أبعث لعانا و انما بعثت رحمة) ثم قال: (اللهم اهد قومي فانهم لا يعلمون) رواه البخاري مختصرا أنظر شرح الكرماني برقم 3237 كتاب بدء الخلق

و ما رؤي الشهيد في حياته منتصرا لنفسه و لكنه كان اذا انتهكت حرمات الله يغضب و يحمر وجهه، و لقد تخلق في هذا بخلق الرسول (صلى الله عليه و سلم) يقول بعض أصحابه و منهم علي بن الحسن: (ما رأيت رسول الله"صلى الله عليه و سلم"منتصرا من مظلمة ظلمها قط ما لم تكن حرمة من محارم الله و ما ضرب بيده

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت