الصفحة 51 من 252

وبدأت الضغوط من الناس على الدولة لإعادته إلى الجامعة، وقد استجاب بعض المسؤولين يومها لهذه الرغبة بشرط واحد: أن يدخل الدكتور المفصول (الشهيد) إلى محاضراته على الطلبة ولايتعرض لشيء خارج المحاضرة، وبشرط أن لايرفع رأسه ولا يلتفت يمينا ولا شمالا!! وجاء الناس وهم فرحون مستبشرون بهذه الرغبة الأكيدة، وأخبروا الشهيد بها، فرفض الشهيد هذا المطلب وقال: إذا ما الفرق بيني وبين المدرسين في كلية الإقتصاد أو كلية العلوم ... أو غيرها؟!! وهذا الموقف يذكرنا بعزة العز بن عبد السلام الذي ضرب بمواقفه أروع الأمثلة.

ثالثا: استقالته من وظيفته مرتين وتفرغه للجهاد: ضرب الشهيد بمواقفه العملية أروع الأمثلة للدعاة يوم أن أمسك الدنيا بيده وطرحها من قلبه فاستقال من وظيفته في المرة الأولى وهو في الأردن، وتفرغ للجهاد على أرض فلسطين، وهذا الموقف هو التفسير العملي من الشهيد للآية:

"وفي السماء رزقكم وما توعدون"... (الذاريات: 22)

وللآية:

"وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها"... (هود: 6)

وترجم الآية القرآنية:

؛وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا « (آل عمران: 541)

يوم أن انطلق يحمل السلاح يجاهد على أرض أفغانستان بعد أن جاهد على أرض فلسطين.

وقد ضرب الشهيد مثالا رائعا آخر يوم أن قدم استقالته من الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد وتفرغ للجهاد في أفغانستان ليقول للعلماء والدعاة: أما آن لكم أن تخرجوا الدنيا من قلوبكم وأن تمسكوا بها بأيديكم، وأن تحرصوا على الموت كحرصكم على الحياة؟ وقد خاطب العلماء بقوله: (بقدر ما يزداد عدد العلماء الشهداء بقدر ما تنهض الأجيال من رقادها وتنقذ من ضياعها وتستفيق من سباتها) .

وشتان شتان بين من ينطلق من عقيدته لا إله إلا الله فيأكل بها خبزا، وبين من يقدم رأسه هدية وفداء لـ لا إله إلا الله، شتان بين من يمتطي هذه الكلمات وهو يمضغها كي ينفخ جيبه وبطنه من ورائها وبين من يقدم الروح والجماجم والأشلاء في سبيلها.

لقد خاطب الشهيد عزام العلماء بدمه الحار بعد أن خاطبهم بالمداد ليقول لهم الدم الزكي الطاهر: إن أردتم أن يعود للدين مجده، وإن كنتم جادين في تغيير واقعكم فما عليكم إلا أن تلحقوا بي في هذا الطريق حيث الجهاد والإستشهاد.

فالجهاد وحده هو طريق العزة والمنعة والتمكين للمؤمنين في الأرض، وإلا فالذل واقع عليكم لا محالة:

ولا يبني الممالك كالضحايا ... ولا يدنى الحقوق ولا يحق

وللحرية الحمراء باب ... بكل يد مضرجة يدق

ذهب الشهيد إلى ربه تاركا الأمانة الثقيلة في رقاب العلماء والدعاة في الأرض، ويظن بعض المخدوعين ذوي النظرة الضيقة القريبة أن حياة الشهيد قد انتهت، وأن الموت قد فغر فاه وابتلعه ومضى بسرعة كبيرة لا يلوي على شيء - وأنهم ناجون من الموت الزؤام -، ولكن أصحاب القلوب الني رة الذين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت