مواقف وعبر من حياة إمام الجهاد
إن الأمة أحيانا قد تنهض برجل واحد يكون بمثابة أمة، فقد أعز الله دينه بأبي بكر يوم الردة، والإمام أحمد بن حنبل يوم فتنة خلق القرآن، وإني على يقين أن عقيدة الجهاد كادت تصبح في وجدان الأمة نسيا منسيا لولا أن الله تعالى قيض لها في القرن العشرين إمام الجهاد الشهيد عبد الله عزام- رحمه الله- الذي رسم لها الطريق من خلال مواقفه العملية في ميادين الجهاد، ومن خلال فتح باب الجهاد على أرض أفغانستان.
وحياة الشهيد كلها صفحات مشرقة، بل مواقفه كلها عبر، وفي هذا المقال سنقف على بعض المحطات في حياة الشهيد عزام للذكرى، فإن الذكرى تنفع المؤمنين:
أولا: يوم أن كان الشهيد مدرسا في الجامعة الأردنية، وفي أحد الأيام خرج من بيته قاصدا مدينة عمان لأمور تهم الدعوة، فوقف على جانب الطريق ينتظر سيارة، وفجأة وقفت سيارة أمامه ، فقال له السائق: إلى عمان، فقال الشهيد: نعم، فقال له: تفضل، فركب الشهيد حتى إذا وصل صاحب السيارة منطقة العبدلي عرج إلى جهة اليمين ميمما شطره دائرة المخابرات، فقال له الشهيد إلى أين؟! أنزلني هنا فأنا ذاهب إلى وسط المدينة، فقال له السائق: نريد أن نشرب معك فنجانا من القهوة، فعرف الشهيد أنه رجل دولة، فدخل السائق دائرة المخابرات، وإذا بمسئول في انتظاره، قال له: يا شيخ نريد أن نتكلم معك، قال تفضل، قال له: أنت تهاجمنا على المنابر وتتكلم علينا في محاضراتك ودروسك، فقال الشهيد: نحن أمرنا الله أن نبين الحق للناس ولا نكتمه، فقال له المسؤول: اذا نفصلك من العمل، قال الشهيد: الأرزاق بيد الله، قال المسئول: إذا نسجنك، قال الشهيد: حتى لو سجنتموني لن أسكت، وسأتكلم داخل السجن، وانتهت المقابلة بقول المسؤول للشيخ: (نأمل ياشيخ أن تخفف من صلابة موقفك) .
ويوم أن وقف أحد المسؤولين في دولة عربية يناقشه حول عقيدته، وقد أحس الشهيد منه أنه يريد المداهنة (ود وا لو تدهن فيدهنون) قال له الشهيد: عقيدتي؟! قال نعم: قال له: عقيدتي هي الإخوان المسلمين.
وفي موقف آخر لمسؤول كبير على مستوى أمير!! أراد أن يجس صلابة الشهيد، فقال له: ياشيخ أنا أريد الآن أن أسمعك كلاما قاسيا، فما كان من الشهيد إلا أن واجهه بلطمة قوية، قال له: الذي يربطني بكم هذه الورقة، وقد استخرجها من جيبه وقال له: إن شئتم فخذوها، فما كان من المسؤول إلا أن وقف وقفة إجلال وإكبار للشيخ وقبل رأسه مكبرا فيه هذه العزة.
وبذلك جدد الشيخ عزام مواقف السلف الأول من الصحابة رضي الله عنهم، فكان خير خلف لخير سلف، وإن هذه المواقف تذكرنا بموقف ابن تيمية الذي قال لجلاديه: ماذا تفعلون بي؟! إن سجني خلوة، وإن نفيي سياحة، وإن قتلي شهادة.
ثانيا: عندما فصل الشهيد من الجامعة الأردنية بدأت أمه تبكي ظنا منها - في النظرة القريبة للأمهات - أنه قد قطع رزقه، وبدأت تلومه على هذا وتقول له: (أما يرضيك يا عبدالله أن تكون مثل الدكتور الفلاني .... والدكتور الفلاني ... ؟! وبدأت تعدد له مجموعة من المدرسين في الجامعة، فسكت الشيخ ولم يتكلم، وتكلم والده الذي أجابها قائلا ويحك!! ماذا يفعل غدا أمام ربه في العلم الذي أودعه الله في صدره.