الصفحة 47 من 252

الجهاد عبادة كالصلاة والصيام

إن مما تركه الإمام الشهيد عبدالله عزام من اجتهاد في هذا المقام ; أن الجهاد عبادة كالصلاة والصيام، كما أن الصلاة عبادة لا تسقط أبدا - بحال - إلا عند الموت، كذلك الجهاد لا يسقط عن المسلم إلا عند خروج الروح، بعد أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، ومع آخر نفس يطلق آخر طلقة.

كما كان يعتقد أن الجهاد عبادة كالصيام، وأنه لا فرق بين الذي يفطر في رمضان جهارا نهارا وبين تارك الجهاد في سبيل الله وهو قادر، ولكن الغريب أن الناس قد اعتادوا في هذا الزمان أن ينكروا على من يفطر في نهار رمضان عامدا، ولا ينكرون على تارك الجهاد في سبيل الله وهو قادر، ونفهم مما

تقدم أن البحث عن الجهاد واجب حيثما كان متواجدا، وأنه لابد للمسلم أن يبذل كل ما في وسعه وجهده حتى يصل إلى أرض يقام عليها الجهاد في سبيل الله، كما لو كان يحاول البحث عن وظيفة أو عمل له ; فيجب أن يكون الجهاد على الأقل بهذه المنزلة عند المسلمين في الأرض حتى يعذروا الى الله تعالى، وهذا الذي فهمه إمام الجهاد الشهيد عزام من قوله تعالى:

؛ يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون « (العنكبوت: 65)

هذه الآية تغلغلت في روحه وقلبه، وسرت في دمه وعروقه، وفهم منها أن حياة المسلم قائمة على تحقيق العبودية لله تعالى، فحيثما استطاع أن يقوم بواجب العبودية له يفعل، ولا يشترط أن يعيش العبد ويموت في الأرض التي ولد عليها، ودرج على ظهرها، لأن بلد المسلم الحقيقية ليست التي ولد فيها، وإنما بلده التي يستطيع أن يعبد الله فيها، فإذا لم يستطع تحقيق هذه العبودية في بلده، وض ي ق عليه في عقيدته ومبدأه، فإن أرض الله واسعة، يمكنه أن يهاجر إلى أرض يستطيع عبادة الله فيها.

ولقد ترجم الإمام الشهيد هذه الآية القرآنية، وطب ق هذا المبدأ في حياته عمليا حتى لقي الله شهيدا بإذن ربه، فبعد أن منع من مزاولة عبادة الجهاد على أرض فلسطين، انتقل إلى أرض أفغانستان ليقوم بواجب العبودية تجاه ربه، ويجاهد في سبيله، فعاب عليه القاعدون، وقالو له: كيف تترك بلدك فلسطين وتذهب للجهاد في أفغانستان؟! فكان رده مفعما ومفحما لأولئك الكسالى، حيث أكد لهم أولا: أنه ما ترك الجهاد هناك - في فلسطين - إلا بعد أن أ غلق المسجد الذي كان يؤدي فيه عبادة القتال في سبيل الله، فحيل بينه وبين عبادة الجهاد، فليس معنى هذا أن يترك فريضة الجهاد، وإنما الواجب البحث عن

مسجد آخر يؤدي فيه عبادة الجهاد، فوجد أرض أفغانستان فانتقل إليها ليعبد الله فيها. ثم إن الجهاد في فلسطين والجهاد على أرض أفغانستان هو تحقيق لمعنى عبودية الله تعالى، وأن الجهاد فريضة العمر لا يرتبط بزمان

أو مكان، أو بتعبير آخر: أن الجهاد لا يرتبط بأرض ولد عليها الإنسان، وإنما يرتبط بعمر الإنسان، ولا ينتهي الجهاد حتى ينتهي عمر الإنسان، وهذا الفهم الدقيق الذي فهمه إمام الجهاد هو عين عقيدة أهل السنة والجماعة، استنبطه من نص صريح جاء على لسان سيد المرسلين ص أن الجهاد ماض إلى يوم القيامة، لا يبطله جور جائر ولاعدل عادل، ولهذا يقول الإمام الشهيد:؛ إن رسالة الجهاد ملازمة للحياة، والجهاد لا ينتهي حتى يخرج آخر نفس من البدن «.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت